لا شك أن لدى كل إنسان قناعات يحملها ويختزنها بداخله، ويرى الحياة من خلالها، وما أن يضع الإنسان قناعة لنفسه ويؤمن بها حتى تصبح تلك القناعة حقيقة ثابتة بالنسبة له، ولا يمكنه تخطيها أو تجاوزها أو تغييرها في الواقع ما لم يتخطاها أولًا في داخل نفسه، ولكن ما المقصود بالقناعة الداخلية؟ إن القناعة الداخلية تعد بمثابة قيد أو حد عقلي ونفسي يصنعه الإنسان لنفسه وبنفسه حتى يصبح حقيقة وواقعًا بالنسبة له، ولو لم يكن كذلك فعلًا، كما أن القناعة الداخلية هي ذلك الشعور باليقين تجاه شيء أو أمر معين، فهذا الشعور اليقيني تجاه شيء ما يجعله بالنسبة لك حقيقة واقعة وثابتة، كأن تقول لنفسك مثلًا: أنا لا يمكنني تغيير أو التخلي عن هذه العادة السلبية أبدًا كعادة السهر ليلًا مثلا وغيرها من العادات الأخرى، وفعلًا لا يمكنك التخلص منها أبدًا، والسبب وراء ذلك هو أنت!
وتختلف القناعات بداخل كل إنسان منا، ويمكن أن نقسمها إلى نوعين: النوع الأول وهو تلك القناعات التي تمنحك القوة مثل: قناعاتك بأنك واثق من نفسك وقدراتك ومهاراتك وأنك قادر على تحقيق أهدافك وخططك الحياتية، والنوع الثاني وهو تلك القناعات السلبية أي التي تسلبك القوة وتمنحك اليأس والضعف والتشاؤم وتجعلك إنسانًا غير ناجح أو متميز في هذه الحياة، كقولك لنفسك مثلًا: إنك فاشل ولا تستطيع إنجاز شيء في مجال عملك أو في هذه الحياة بشكل عام.
وتتجلى لنا أهمية القناعات الداخلية في الحياة عندما نعلم أن القناعات السلبية تؤدى إلى المشاعر السلبية وتؤدى بالضرورة إلى اليأس والاكتئاب والخوف والضياع مع فقدان الأمل، فهي تعد بمثابة فلسفة أو مرتكز سلبي تؤثر على نمط حياتك ومدى نجاحك وتحقيقك لأحلامك وطموحاتك في الحياة، كما أن القناعات السلبية تؤدي إلى الشعور بالعجز والضعف وعدم القدرة والاستطاعة وأحيانا عدم التكيف مع الآخرين بصورة سليمة.
والسؤال الأهم الآن: هل كل منا يعيش بالفعل قناعات حقيقية اختارها بكامل حريته وإرادته وهو مؤمن بها، أم أنه يعيش قناعات غير حقيقية نتيجة لرغبته في تقمص الأدوار والظهور بمظهر معين لظروف تفرضها عليه الحياة؟ لذلك من الحسن والواجب على كل فرد أن يختلي بنفسه بعض الوقت، ويعيد تقييم شخصيته وذاته، وحتى إن لم يفعل ذلك في السابق فمن الضروري أن يفعله الآن ولا يتوانى أو يتأخر، فتلك العملية من المراجعة وإعادة تقييم الذات تعد نوعًا من الرياضات النفسية المرغوب فيها، والتي يمكن للإنسان من خلالها مراجعة ذاته ونقد نفسه بموضوعية وإيجابية كاملتين دون خوف أو وجل، ومهما كانت النتائج بعد ذلك، وذلك لإعادة بوصلة حياته لطريق الصواب والطريق الصحيح خشية الاستمرار في العيش بقناعة زائفة غير سليمة، قناعة لم يألفها ولم يفهمها جيدًا، ومن المهم ها هنا التأكيد على أن القناعات قد تتبدل وتغيير وقتيًا أو أبديًا لظرف ما أو لحالة موجبة، فقد نقتنع بشيء ما ونجد بعد فترة من الزمن أننا كنا على خطأ في خياراتنا وأن قناعاتنا لم تكن صحيحة أو صائبة، ولا ضير هنا من العودة عن ذلك الخيار وتلك القناعات. فالجميع أفرادًا وجماعات ودولا تتبدل قناعاتهم بين الفينة والأخرى. ومما اتفق عليه في هذا الجانب بخصوص تغيير القناعات إنه يجب ألا تتغير قناعاتنا أبدا باثنتين: الأولى قناعاتنا بديننا وإيماننا وقيمنا والأخرى قناعاتنا بوطننا وحبه والانتماء إليه وضرورة المحافظة على تراثه وثوابته، وحذار من تغيير قناعاتنا في ذلك؛ فهو الخسران المبين، وما عدا ذلك فكل منا حر فيما لا يقتنع به، فقناعاتك ملك لك وحدك، وأنت المسؤول عنها وما ينجم عن إيمانك بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد