لعلك صادفت يومًا هذا الحوار: «أصلها مسترجلة بتتكلم زي الرجالة ولبسها زيهم كده»، «الواد ده مايع وصوته ناعم».

«ادفن نفسك في أرض الخمول، فإن ما نبت مما لا يدفن لا يتم نماؤه»؛ هكذا كما قال الشيخ «محمد الغزالي» في كتابه «الجانب العاطفي من الإسلام»،وهكذا تختلف التمثلات، أو الأنماط البدائية، كما أسماها يونج بـ(Archetypes) تمامًا عن الشخصيات؛ لأن التمثلات عبارة عن شفرات، وأكواد في اللاشعور الخاص بكل منا منذ ولادته، وتم تأييد نظرية «يونج» بشكل قوي في الأوساط العلمية، أي كما قيل: «تبدأ كل المعارك، وتنتهي في اللاشعور الخاص بك، فإذا خسرت المعركة في اللاوعي ستجني الهزيمة في الوعي».

تكوين العقل البشري psyche كما أسماه يونج

1.العقل الواعي
يستخدم في العمليات التحليلية اليومية، وهو يحتوي على أفكارك الواعية دعنا نقول «خبراتك الحياتية الواعية».

2.العقل اللاواعي الشخصي
يحوي الأحداث الشخصية التي مررت بها خلال حياتك، وتم نسيانها، أو كبتها نتيجة طبيعة المخ الدفاعية distressing nature.

3.العقل اللاواعي الجمعي

عبارة عن لاوعي مشترك بين جميع البشر، المؤثر في حياتهم اليومية، وهو عبارة عن معتقدات وأفكار عقلانية مشتركة بين البشر، وفيه تولدت التمثلات.

وللأهمية، يجب إخبارك بما قاله يونج: «للحفاظ على صحتك العقلية، وحتى الفسيولوجية، يجب أن يتكامل العقل الواعي واللاواعي في العمل معًا، وأي خلل، أو فصل في العمل؛ يؤدي ذلك إلى الخلل النفسي والأمراض النفسية».

كيف تنشأ الأمراض النفسية؟

يخبرنا «يونج» في قوله الذي خالف فيه صديقه «فرويد» في نشأة العقد النفسية إنه: «تجتمع الأفكار العقلية اللاواعية بكثرة، داخل العقل؛ لتشكل كتلًا من الأفكار، والتي تؤدي بدورها في كثير من الأحيان إلى الأمراض النفسية، والخلل العقلي»، والمدهش الذي أضافه «يونج» أن العقد تتشكل في اللاوعي الشخصي وليس الجمعي، أي أن الفطرة تكون نقية، وتتلوث بالخارج.

بدأت الحكاية عندما وصف «يونج» العُصاب أو ما يسمى بالاضطراب النفسي -Neurosis بأنه يحدث إذا تم الخلل داخل العقل، ووظائف العقل، بمعنى عند حدوث خلل في التعبير عن النماذج البشرية Archetypes داخل العقل، وهذا الخلل يؤدي وللأسف للأمراض النفسية والفسيولوجية، ويظهر على هيئتين:

1.التعبير المبالغ فيهOver-expression

  1. 2. الكبت التعبيري under-development

«كل الأشياء داخل اللاوعي، تسعى بشدة للتعبير عن نفسها خارجيًا».

 

النماذج الداخلية الأربعة Archetypes

استنبط «يونج» 4 تمثلات موجودة داخل جميع البشر، نولد بهم، ويتم تفعيلهم خلال حياتنا، أو لا -حسب وعينا بهم-؛ وهم عبارة عن أشياء تؤثر على وعينا دون قصد منّا؛ لأن العقل البشري كما وصفه «يونج» لا يولد فارغًا Tabula rasa ، لكن يكتسب خبراته من أشياء انتقالية، أو ما قبل الشخصية، أي قبل الولادة Pre- personal، ولتقريب معنى التمثلات أكثر، «إريك نيومان» تلميذ «يونج» النجيب فسر التمثلات على:  «إنها أشبه بأعضاء جسمنا، تشبه الأعضاء، وتعمل بشكل غير واعٍ منا، كذلك التمثلات»، وعبر «يونج» عن الـArchetypes إنها بنيان شخصية الإنسان الداخلية، ومتى ما لم يتم التعبير عن النماذج بشكل صحيح؛ يحدث الخلل وعدم التوازن النفسي.

1. القناع Persona

وجهك الذي تُغير فيه كل يوم، يعجب هذا مرة، يضايق هذا مرة، يضايقك حتى أنت مرة، وبين كل هذا وذاك وتلك، لم تصل للأنا الخاصة بك أبدًا، لكن من أين يأتي الخلل؟

يأتي الخلل من مبالغتك، أو زيادة تقديرك للقناع الذي ترتديه اجتماعيًا أمام الناس، أي وصفك له بأنه أنت، القناع ليس أمرًا حقيقيًا، بل هو وسيط بين شخصك أي الأنا الأعمق، وبين مظهرك الاجتماعي التي تضعه، أو ترى نفسك فيه وليس به، أو كما يحب أن يراك المجتمع لتكون.

القناع كما وصفه «يونج» شيء مظهري، يأخذ أكبر من حجمه، نتيجة اهتمام الناس الكبير بالظاهر منهم، فالقناع لا يمثلك أنت، هو يحمل اسمًا، يكسب صفةً، يكتسب لقبًا، كل هذا ليس أنت!

ويزيدنا «يونج» بأن غالب الناس يبالغون في تقدير (القناع)، حتى إنهم يلحقون الضرر بأنفسهم الداخلية، وصحتهم العقلية، وأن القناع لا يمثل الحصيلة الكبرى من كونهم (أنفسهم)، ولكنه شيء ضئيل بحجم بقية زوايا الإنسان، ويزيد «يونج» إبحارًا حيث يقول: إن الوصول لحقيقة (الأنا الأعمق) داخلنا، يأتي من إبحارنا داخل اللاوعي الخاص بنا، لنكتشف المزيد والمزيد عن أنفسنا، لا بحثًا في قشور أنفسنا، أو ما نود من الناس رؤيته منا.

2. الظل Shadow

دعنا نقول إنه الجانب المظلم لشخصيتك -للأسف-، ينشأ الظل كما يخبرنا «يونج» نتاج تراكم الكلام السلبي،والوصمات السلبية من الآخرين تجاهنا، ومواقفهم السيئة تجاه مشاعرنا، وأفعالنا، وسلوكياتنا الخاطئة؛ ونتيجة لذلك وطبقًا لطبيعة المخ الدفاعية Distressing Nature يقوم المخ بنقل التراكمات من الوعي إلى اللاوعي الشخصي لينشأ بداخلنا (كهفنا المظلم).

«إن أولى خطوات إصلاح الذات، تأتي بإصلاح ما أُتلف داخلنا، والذي نجده حتمًا في ظلنا».

لكن الخبر غير السار، إن دخولك للظل بالوعي شيء صعب للغاية، بل أمر مرهق ومتعب جدًّا جدًّا، لكنه يستحق العناء؛ لأن بدون إصلاح كهفنا المظلم، يزيد إظلام حياتنا، ونُغمر في فوضويتها؛ حيث يختبئ الظل دومًا في أفعالنا، وأفكارنا، ومعتقداتنا، بل وللأسف يخرج الظل بشكل أكثر مكرًا حين يخرج في شكل (الإسقاطات النفسية) على الآخرين، حتى إنه لا يشعرك بأن فيك عيبًا واحدًا.

عجيب ظلنا في جميع أحواله، يظهر بداخلنا مظلمًا، ويبدو لنا خارجًا مظلمًا أيضًا!وكلما كان إدراككبوعي لكهفك المظلم، زادت إنارتك للأنا بداخلك، وكلما قلوعيك بظلامك ازددت ظلامًا بوعيك.

وينتهي الحديث عن الظل بأنه لا ينشأ فقط بسبب الأفكار السلبية الراجعة من الناس أو حتى مننا، بل يتأثر كذلك بما نعتقده في (القناع) خاصتنا، الذي نرتديه، ومتى ما ظننا أن هذا القناع لا يواكب المجتمع السائر حولنا، يبدأ في زيادة ظلامنا من الداخل، لم أعد أعجب كون المكتئب ينطوي شيئًا فشيئًا حتى إنه يخفت للأبد؛ وهذا لأن المجتمع دائم النظر له بعين أنك لست منجزًا مثلنا، وأنك مرتعد وراء ستائر الظلام تلك، ولا يدرون أنهم يصنعون من ظلامه جزءًا كبيرًا.

وإن كنت تسعى للتجديد في حياتك، أو بلغتهم العصرية (أن تكون نفسك) فلا شيء يحييها غير بإحياء النور عن طريق دخولك للكهف بوعيك، وإنارة ما به من ظلام.

{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد