ثمة أمر ملح يملأ النفس حيرة وتساؤلًا كبيرين كلما ارتبط بهما التفكير وسرى، وهو خصائص الواقع الإنساني ومميزاته؛ إذ اكتسى غموضًا وإبهامًا عبر مراحله، وهذا ما استدعى ضرورة إخضاعه للمساءلة والاستفسار. واستجابةً لهذا المبحث تعددت المناهج والوسائل المعتمدة لتحقيقه، وتكاثرت سبل البحث والاستقصاء.

وليس من العسير اكتشاف تواصل التغيير والتحول؛ إذ إن الواقع لا يستقر على صفة ولا يثبت على حال، وإنما يحكمه التغير المستمر والتحول المسترسل، وأسباب التغير عديدة لا تحصر، لكن يبقى وعي الإنسان بمحيطه وتعامله مع عناصر وجوده عاملين أساسيين يرسمان حدود الفرق ويحددان خصائص كل واقع على حدة، كما يتحدد الواقع الإنساني بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما أكده ماركس في كتابه «الإيديولوجية الألمانية»، وبيَّن أن تدرج الواقع الإنساني من واقع بدائي إلى إقطاعي ثم إلى رأسمالي، وبين أن تطور العمل ووسائل الإنتاج كان سببًا مباشرًا في التطور والتغير؛ إذ إن الملاحظة البسيطة تكشف بجلاء خضوع الواقع لهذا المبدأ وما تعدد مظاهره وتجلياته إلا حجة على اختلافه.

الانتماء لهذا العصر يجعل كلًّا منا شاهد إثبات على جملة من التجليات، فنحن عنصر إنساني نعيش ونشهد واقعًا تسوده التناقضات، نشهد اغترابًا شمل أصعدة شتى ليتمظهر في جملة من المستويات، علنا نقدم صورة متكاملة عنها، فلو ذكرنا المستوى الاجتماعي، فقد بات الإنسان غريبًا عن المجموعة، ولو أوردنا المستوى السياسي فقد صار الإنسان يعيش في إطار الدولة، تغييب مقصود لذاته وتهميش مجحف لرأيه تحت غطاء اسمه السلطة، والتي أضحت ستارًا لممارسات تعصبية تستهدف الفرد، الذي يجد نفسه في الغالب تابعًا لصاحب سلطة لم يختره، أو متخليًا عن حرياته وحقوقه بموجب عقد لا يعلم عنه شيئًا، وربما تحرك وأعلن رفضه تحت المبادئ الأركيولوجية، فتوجهت نحوه أصابع الاتهام ليصبح إرهابيًّا أو مارقًا ويهدر دمه في تدعيم عنصر اغترابه الذي يدعمه اغتراب إضافي على المستوى الأخلاقي، فقد أضحى العنصر الإنساني مشتتًا بين تيارات أخلاقية متداخلة تصب جميعها في نطاق إفلاس القيم والمبادئ، في ظل عصر أضحت فيه الفائدة والمنفعة شرطًا للتواصل مع الآخرين، وكان هذا نتيجة حتمية لحركة الانفتاح التي يشهدها الإنسان مع نظرائه، والتي خلقت تبادلًا للقيم والمبادئ، وهذا ما جعل الإنسان يشهد توافد كم أخلاقي غريب عنه.

هذا تمظهر فحسب من تمظهرات الواقع الإنساني، لكنه يقدم صورة تكاد تكون شاملة عنه، وتُدعّم هذه الصورة بذكر خصائص أخرى، التي تظهر تناقضاته بما نراه من نزاع ورغبة سيطرة، مما يستجيب إلى الأطروحة القائلة بأن التاريخ قائم على مبدأ النزاع من أجل الاعتراف، وبما تشهده من قوى متعددة وتحالفات تجزئ الوحدة النوعية للحياة الإنسانية وتحيلها إلى جملة من الطبقات والمجتمعات، مما ساهم في اتساع الهوة وأكد الفروقات، فبرزت حضارات قوية مسيطرة وأخرى ضعيفة تابعة، وهذا ما دعم قانون الغاب الذي يبرزه القول المأثور: البقاء للأقوى، كما نلحظ انتصارًا مفضوحًا لمبدأ الفائدة، ولهثًا غريبًا وراء المصالح، والنداء البراغماتي الذي تطلقه التوجهات الرأسمالية والأنظمة الليبرالية.

لا غرابة إذن أن نحدد دلالة المجال السياسي، وكثيرًا ما ننظر إلى صاحب السيادة على أنه ولي نعمة أو أمير المؤمنين في الثقافة العربية الإسلامية أو هو نتيجة لعملية انتخابية قانونية، فيكون فعله هو مبدأ تقديس، وسلوكه مصدر تقليد، وأقواله مرجعية فكرية.

وقد رصد كانط في «ما هو التنوير؟» مظاهر السياسي، مسجلًا علاقة السلطة بالطاعة عن طريق قنوات مرئية أو غير مرئية، هي في نظر ميشيل فوكو «مكروفزيائية»، ولاحظ في كتابه «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن» أن السياسي يعتمد إلى ابتداع وسائل لغرض الطاعة غير العنيفة، لكنها أكثر عنفًا مما نتصور، وهي وسائل تتخذ الدعاية والإيديولوجية، بل تتخذ الأشياء والأبنية والأماكن كالقصور ودفاتر المحاكم طريقة لفرض إرادتها، ولئن كان الإنسان حيوانًا عاقلًا، فإن التصور السياسي يقوم بإلغاء صفة المعقولية فيه إلى الأبد.

إن الذات لا تقاوم ذاتها عن قصد وعن إرادة، بل تكون المقاومة على مضض، وهي أبشع درجات المقاومة، فالذات تهدف إلى الانعتاق والإبداع، وهذا يفرض علينا إعادة النظر في ما هو سياسي قصد فضحه على رؤوس الملأ، وكشف تجاوزاته غير المشروعة، ما دام السياسي يغتصب الحق في التفكير وانتهاك حرمة الذات.

لا شك أن القيم الأخلاقية والجمالية التي فرضها المجتمع تفضي عمدًا، إلى تشكيل نسق من القيم يمكن أن نطلق عليها قيم الاتباع والخضوع، التي تعمل على إقصاء الغرائز والقيم الذاتية. قيم الاتباع تحمل رهانًا تحرريًّا فيه ضرورة نشر قيم الإبداع وتحقيق نمط في الوجود أو الفن وهذا ما يستلزم الوعي والتفكير بطريقة مغايرة ومختلفة مثل الريبية القديمة، فقد بيّن إمبروكوس في «مقاربات بيرونية» أن غاية الريبي هي تحقيق «الأتركسيا» أو الطمأنينة.

إلا أن الشك في القيم الأخلاقية يبين بجلاء السلطة التي تكتنزها العادات والتقاليد، وفعلًا فإن الإنسان خاضع لعاداته وتقاليده أو بالأحرى هو خاضع لعادات مجتمعه، وهي كثيرًا ما تتعارض مع الذات بوصفها ذات راغبة تعشق التفرد وتحتفل بالتميز، وحسبنا أنها سمات فطرية فينا ليأتي الموروث تسنده سلطة التقاليد لقتل ذلك البعد الغريزي الذاتي، لذلك تبدو العادات بثوب يقيدنا هو أشبه بحجاب غير مرئي أو ظاهر للعيان، يقوم بجلد الرغبات وتقويمها حتى تصبح صالحة، وهنا يجري تحويل فضاء مفهومي بأكمله فعوضًا عن القمع نقول التربية وعوضًا عن الكبت نقول الإصلاح وعوضًا عن التشفي نقول التربية.

خلاصة القول، إن الإنسان خاضع لقانون الأغلبية، يفكر الآخر بدلًا منه، ويصبح الإنسان مرآة عاكسة لرؤى المجتمع ويتحول إلى آلة مبرمجة أو إلى حيوان آلي، وقد سجل كانط في كتاب «المنطق» هذه الوضعية السلبية للإنسان، مبرزًا أنها مرض عضال لا يمكن استئصاله إلا بعد زمن طويل، ويبدو أن عنصر الزمنية يبرز سلطة تلك الأحكام ومدى تأثيرها.

كتب كانط أن «المنابع الأساسية للأحكام المسبقة هي المحاكاة والعادات والميل… وإذا كانت الأحكام المسبقة نتيجة عن العادة أو المحاكاة في آن فإن من العسير شفاء الإنسان منها، لكن هذا العسر سببه العقل في استعماله المحض؛ لأنه مبدأ فعال… هنا تنتصب الذات متحررة من اللامبالاة والاستسلام والانفعال لتصبح فاعلةً وراغبة ومفكرة تستبق الزمان وتتحكم في التاريخ».

إن ما يسود الواقع الإنساني هو ارتباطه بما هو موجود ومعروف أو متعارف عليه في الذاكرة والتاريخ، وما هو موجود في الحاضر، إن سواد القوم عامتهم وأغلبهم، هذا التصور الذي حاوره لسان العرب أراد من خلاله ابن منظور أن يسجل البعد الزمني للسائد، وارتباطه بالمعيش بكل مستوياته الأخلاقية والثقافية والسياسية وحتى الدينية، فالسائد هو ما نقبله في مجتمعنا من قيم وتوجهات جاهزة يمارسها الأغلبية وتفرض على الأقلية طاعتها، حتى وإن كانت تتنافى ونوازعهم وميولاتهم، فهي تفرض نمطًا معيشيًّا يحول الإنسان بكل ما يحمله من أحلام وآمال وهواجس ونوازع.

لكن الواقع بين أن السائد ليس دائمًا سلبيًّا؛ إذ يمكن للسائد أن يحقق رغبات الإنسان والمجتمع ويزيد فضلًا عن ذلك طاقة الإبداع فيها، كما أن القضاء عليه ليس قرارًا تتخذه الذات الواعية، بل إن اضمحلال السائد، بكل ضروبه إنما يعود إلى كونه لم يعد يستجيب لرغبتنا وتطلعاتنا وأفكارنا وانشغالاتنا وأوهامنا، وربما تبدو هذه الرؤية التي أقرها دولوز وجاتاري في كتاب «ما الفلسفة؟»، تبرز علاقة السائد بالبديل وعلاقة الماضي بالحاضر؛ إذ إن الماضي ليس الزمن الذي انقضى ومضى، بل إنه متواصلٌ بكل كلكله وثقله.

ربما نتجاوز هذا السائد باللجوء للأسطورة أو الفن. ويبدو أننا سنظل تائهين وسط كم متضخم من الإشكاليات والحلول الجوفاء في إطار حلقة مفرغة من البحث الهامشي، ونجد أنفسنا في النهاية قافلين عودًا على بدء، إلى ذلك الأمر الذي يملأ النفس حيرةً وتساؤلًا كبيرين كلما ارتبط بهما التفكير وسرى، علَّنا نحدده يومًا، من يدري؟ ربما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد