قدّم «جون ماينارد كينز» في مؤلفه «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» لعام 1936 تحليلًا رائعًا، أصبح فيما بعد بمثابة روشتة لإقالة النظام الرأسمالي الغربي من عثرته عقب الانهيار الكبير في عشرينيات القرن الماضي. الجدير بالذكر أن حادثة أو أزمة الكساد الاقتصادي الكبير الذي ضرب الاقتصادات الرأسمالية في أواخر عشرينيات القرن العشرين.

وبدأت أزمة الكساد الكبير أو الانهيار الكبير (Great Depression) في عام 1929م كأزمة اقتصادية واستمرت كامل عقد الثلاثينيات وحتى بدايات العقد الرابع، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين ويضرب بها المثل لما قد يحدث في القرن الحادي والعشرين وما مدى سوء الأزمة التي قد تحدث وقد بدأت الأزمة بأمريكا وتشير الدراسات إلى أنها بدأت مع انهيار سوق الأسهم الأمريكية في 29 أكتوبر 1929 والمسمى بالثلاثاء الأسود. وكان تأثير الأزمة مدمرًا على كل الدول تقريبًا الفقيرة منها والغنية، وانخفضت التجارة العالمية ما بين النصف والثلثين، كما انخفض متوسط الدخل الفردي وعائدات الضرائب والأسعار والأرباح. أكثر المتأثرين بالأزمة هي المدن وخاصة المعتمدة على الصناعات الثقيلة كما توقفت أعمال البناء تقريبًا في معظم الدول، كما تأثر المزارعون بهبوط أسعار المحاصيل بحوالي 60% من قيمتها.

وأدى انخفاض الدخل الفردي إلى تدنٍّ رهيب في مستويات الدخول القومية للبلدان الرأسمالية آنذاك، فيما عُرف اقتصاديًا بظاهرة الركود اللولبي، حيث يؤدي انخفاض الدخول الفردية إلى تقليل الطلب على السلع والخدمات، ليقابلها ردة فعل من جانب رجال الأعمال والمُنتجين متمثل في تقليل الإنتاج في صورة تخفيض الأجور أو تسريح العمالة الفائضة، لينهار الدخل الفردي ثم القومي خطوة بعد أخرى انهيارًا كدوامة لا قرار لها.

تزامن مع أزمة الكساد الكبير انهيارٌ شديد في البنية الاجتماعية نتيجة لمستويات البطالة الرهيبة، وانتشار الفقر بين كافة طبقات الشعب، وانتشار الاضطرابات الاجتماعية من عنف وجرائم بشتى أنواعها.

وكانت المناطق المعتمدة على قطاع الصناعات الأساسية كالزراعة والتعدين وقطع الأشجار هي الأكثر تضررًا وذلك لنقص الطلب على المواد الأساسية بالإضافة إلى عدم وجود فرص عمل بديلة.

الأزمة بكاملها دفعت «كينز» في مؤلفه «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» سنة 1936، لإعادة النظر في وضعية النظام الرأسمالي برمّته والوقوف على نقاط الضعف والعوار الكامنة به، فطبقًا لأفكار غُلاة الرأسمالية الكلاسيكية، فإن النظام الرأسمالي يحوي آلية تصحيح كامنة بداخله وقادرة على معالجة أي عوار يعتريه، كما أن النظام قادر تلقائيًا على معالجة نقاط الاختناق في عرض العمل، إلى مناطق ثانية تحتاج للطلب على العمل وتنطبق تلك القاعدة أيضًا على مسارات إنتاج السلع والخدمات. الخلاصة أن مثالية النظام الرأسمالي توهمت بقدرة النظام على معالجة ضعفه تلقائيًا ومن ثم ضمنت له الاستمرار والبقاء، حتى أطاحت أزمة الكساد الكبير بتلك الأوهام ودفعت رجالات الاقتصاد وعلى رأسهم «كينز» لدراسة أسس الرأسمالية وثوابتها من جديد.

وقد انتهى «كينز» لفرضية منطقية تعززت بنتائج وكوارث خلّفها الكساد الكبير وهي أن النظام الرأسمالي يعاني من ميل متأصل بداخله للركود والانكماش في الأجل الطويل، نظرًا للفجوة الحاصلة بين الوصول إلى التشغيل الكامل للطاقات الإنتاجية بالسوق وبين حاجة السوق الاستهلاكية الفعلية.

ونادى بضرورة توجيه فائض السلع والخدمات لقنوات غير إنتاجية يمكنها استيعاب هذا الفائض، ولم يجد الساسة وقتها سوى في تعبئة الجماهير والمجتمعات وحشدهم حول غايات وأهداف عدائية كثيرة. الخلاصة أن صناعة العدو لم تكن الغاية منها سياسية فقط بقدر ما كانت تضمن استمرار النظام الرأسمالي في عمله وضمان تدفق الربحية العالية واستقرار الأسواق.

لذا ظهرت فكرة المساعدات الأجنبية التي توجهها الدول الاستعمارية للبلدان النامية في صورة وكالات تنموية أو إنمائية تعمل على تصريف جزء من هذا الفائض. وبمرور الوقت، ونظرًا لتعاظم هذا الفائض وخشية من عودة شبح الكساد الكبير مرة أخرى بدا أن ثمة ضرورة للتوجه للإنفاق العسكري تحت مبرر شرعي سياسي، وهو الدفاع عن الأمن القومي أو الهوية ومن ثم لا مانع كل فترة من صناعة عدو وهمي، تنشغل به المؤسسة العسكرية والسياسية وتبدأ الآلة الإعلامية الجبارة في تهيئة المناخ لإنفاق عسكري رهيب يستنزف تلك الفوائض. يتبقى في النهاية القول إن الحفاظ على المكتسبات الرأسمالية هو الأهم والغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد