لن تتوقف أبدا الصراعات على السلطة في البلدان التي يحكمها رجال مستبدون لم يبنوا مؤسسات تتولى تعيين خليفة لهم بواقع منهج مرسوم من قبل، ويزداد الصراع حدة كلما كان شكل الحكم ضبابيا وغير مستقر، ورغم أن العالم اليوم قد لفظ كل أشكال الحكم المهتز إلا أن واقع بعض البلدان قد فرض عليها الصراع بواقع معادلة منطقية كما يحدث هذه الأيام مع السلطة الفلسطينية، التي لا نستطيع أن نطلق عليها اسم الحكم أو النظام، ورغم ذلك فهي أيضا محل صراع على كرسي يحمل طيف نظام حكم.

 يصطدم دوما الرجل الذي يخلف زعيما فدا بالمقارنة التي تقام آليا ودلك ما حدث بين أبو مازن وياسر عرفات، بسبب الكاريزما التي كانت لعرفات والزخم الدولي الذي كانت تحظى به القضية الفلسطينية والمرتبة الكبرى التي كانت تحظى بها عند العرب، فالفراغ الذي تركه عرفات أكبر من أن يملأه عباس منذ وقتها وإلى اليوم، لاعتبارات كثيرة، لكن اللافت حقا هو صراع اليوم القائم في حياة عباس وبعلمه.

يطرح اليوم اسم اللواء ماجد فرج رئيس المخابرات الفلسطينية كخلف لأبي مازن الذي تشير كل الدلائل إلى قرب رحيله عن المشهد الفلسطيني إما بسبب العمر، إذ يبلغ 84 سنة، أو بسبب تفادي الانقسام بعده بسبب السلطة، أو بسبب الجمود الذي يتلبس حال السلطة وانعدام أفق العمل بسبب الضغوط الدولية التي تمارس عليه لتمرير صفقة القرن، وبروز الحاجة لدم جديد ووجه جديد، فالرجل الجديد المطروح اسمه بقوة له من الدعائم ما يبرر طرحه بقوة كخلف لعباس، وربما التمهيد له أولا بتعيينه نائبا له، بما تقتضيه ضرورة أن تكون السلطة مستقرة في قابل الأيام، من أجل التمكين أكثر لصفقة القرن.

 اللواء فرج في مقابلة له مع مجلة ديفنسيس نيوز الأمريكية في العام 2016 بدا أكثر القادة الفلسطينيين مرونة تجاه القضية، ورغم التأويلات الكثيرة التي لاقتها تصريحاته الداعمة للتنسيق الأمني مع إسرائيل إلا أنه لم يكترث لأحد وواصل ما يفعل، فمن وجهة نظره أنه قد قاتل الإسرائيليين بما فيه الكفاية والعدو الجديد الأكثر خطورة هو داعش، الذي يعيش في الضفة بأفكاره منتظرا التفريخ فقط، ووفقا لتقییمات فرج فإن 90 %من الفلسطینیین یرفضون التطرف مثل داعش والقاعدة وجبھة النصرة. یعزي فرج بالفضل إلى ھذا الرفض للتطرف إلى الرئیس عباس. یقول فرج على الصعید الداخلي، ھناك أعداد الفلسطینیین المناصرین للتطرف قلیلة جدا وھذا نجاح للرئیس أبي مازن. وھناك إجماع من قبل كل القوى الوطنیة والإسلامیة على عدم عسكرة الھبة الشعبیة، ولكن إذا قرر تنظیم داعش أو أي مجموعة متطرفة أخرى مھاجمة إسرائیل فسیجدون تعاطفا في الشارع العربي. وبصفته مسؤولا عن الحوار مع الوكالات الاستخباریة الأمریكیة والأوروبیة والإقلیمیة والقادة الأمنیین، یقوم فرج بمتابعة انتشار التطرف الدیني عن كثب. یحذر فرج قائلا داعش على الحدود وھم متواجدون ھنا بفكرھم وھم یبحثون عن منصة مناسبة لتأسیس قاعدتھم لذلك یجب علینا أن نمنع الانھیار ھنا، فالبدیل ھو الفوضى والعنف والإرھاب. نحن جمیعنا بالتعاون مع نظرائنا في المؤسسة الأمنیة الإسرائیلیة والأمریكیین وآخرین نحاول منع ھكذا انھیار. جمیع الخبراء یدركون بأن، في حالة الانھیار فإن الأذى سیلحق بالجمیع. تنظیم داعش موجود فعلا بالعراق وسوریا وسیناء ولبنان.

یصر فرج على أن السلطة الفلسطینیة تخدم مصالحھا ولا تفعل أي معروف لإسرائیل بالتزامھا بالمقاومة السلمیة. یقول فرج :نحن ندرك بأن العنف والإرھاب والتطرف سیحلق الأذى بنا. التطرف لن یقربنا من حلمنا في إقامة الدولة الفلسطینیة. لكنه في المقابل يظهر كرجل براغماتي يذهب مباشرة لهدفه، ففي مقابل التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أولا والغربية ثانيا، فهو يطلب صراحة منع انهيار السلطة الفلسطينية متمثلة في فتح، وسط تحذيراته بأن انهيارها سيفتح الطريق حتما لانفجار كبير للعنف من مجتمع شاب يرى حقوقه تصادر كل يوم.

هذه المقابلة هي التي حددت الموقف من طرح اللواء فرج اسما ذا حظ أوفر ترضى عليه دوائر القرار الغربية والعربية، فهو مدعوم بقوة من الإمارات ومصر، رغم التهم التي تلاحق الرجل بالفساد وتعيين أقربائه في مناصب رفيعة، فزوجته أمل عينت رئيسة لديوان الرقابة المالية فيما يبدو أنه مخطط من الرجل وأنصاره للسيطرة على جماح مسؤولين كثر تلاحقهم تهم بالفساد، وسط أنباء عن خضوع كل من جبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي أبرز منافسي فرج للمراقبة الأمنية من المخابرات الفلسطينية.

 وسط هذه المعطيات، يبدو أن القوة التي يتمتع بها فرج قد سوقت له داخليا وخارجيا بأنه الرجل القوي الذي على الجميع قبوله كقائد مستقبلي جامع للسلطة والنفوذ والقبول من قيادة فتح والأجهزة الأمنية لم ينلها من الدور الذي يؤديه في تثبيت الوقائع الأمنية في الضفة فحسب، وإنما من تسويق فرج لنفسه كواحدٍ من الضباط الأمنيين المؤثرين دولياً، إذ حاز الرجل دعماً أميركياً كبيراً بعدما ساهم في قضايا عدة، أهمها عام 2013، حين أعطى معلومات ساهمت في اعتقال نزيه عبد الحميد الرقيعي، المشهور بـ«أبو أنس الليبي»، وهو قيادي في تنظيم «القاعدة» كان مطلوباً لواشنطن.

يبقى على السلطة الفلسطينية التي أضعفتها التدخلات الدولية والإقليمية، أن تحزم أمرها في مسألة خلافة عباس قبل أن يتحول الصراع الذي لا ينحصر بين رجال فقط بل بين كيانات فتح الأمنية التي لا تبدو كلها موافقا على اللواء ماجد فرج، وقد يذهب الصراع إلى حد الإنفلات الأمني في الضفة وبالتالي الاتهيار التام للسلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد