(1)

“لم نكن بشراً عاديين..كنا على هيئة كلاب مسعورة” بنبرة هادئة يصف أحد المجرمين في الإبادة الجماعية برواند يوم قتل عادي خلال  100 يوم من حرب أهلية بين عرقي التوتسي والهوتو، يقولون عنها “أفظع إبادة جماعية في التاريخ الحديث”، ولكن هذا الكلب المسعور لم يعد يحمل صفة مجرم، فهو يجلس اليوم بعد مرور 20 عاما بجوار ضحيته  التي قتل زوجها واثنين من أبنائها وقد حصل على الصفح!.

ما الذي يجعل مصري يهتم أو ينظر إلى إرث إفريقيا السوداء؟! – عادة ما نمشي في الحياة بزهو حضارة لم نضع فيها بصمتنا منذ مئات السنين، لسان حالنا “لدينا من الدروس والعبر والتاريخ ما تجعل جيراننا في القارة السمراء يتعلمون منها”.

ماذا تعرف عن إفريقيا غير أن إسرائيل تتحالف معها ضدنا، وأنها بلاد حروب ومرض وتخلف؟.

(2)

في 14 أغسطس 2013 في ميدان رابعة العدوية، آلات القتل حصدت في عدة ساعات في رواية وزارة الصحة 333 روحاً، وفي رواية الإخوان ما لا يقل عن 2000، وفي رواية مبادرة ويكي ثورة 908 روحاً.

في 1994 في رواند، خلال مائة يوم حصدت آلات القتل 800 ألف روحاً، وملايين المشردين.

(3)

دائما ما كان يعجز عقلي عند الملايين الذين أزهقت أرواحهم جراء تصارع عطشي السلطة من أمثال هتلر في حربيين عالميتين. كان السؤال بلا إجابة دائماً: كيف سمح العالم المتحضر بأن تتكرر وحشية الإنسان البدائي في القرن العشرين؟

أدركت مؤخراً أنه عندما كنت في الخامسة من عمري، سمح العالم المتحضر مرة أخرى بقتل  الرضع والأطفال وذويهم في معركة عرقية في تلك البلدة الإفريقية، عندما قتلت الأغلبية الأقلية، متهمة الأقلية بقتل رئيس البلاد المنتمي لعرقهم من خلال إسقاط طائرته.

(4)

“سامحونا لكوننا تتوسي ولكننا لن نكون بعد الآن” كانت نداءات الأطفال التوتسي لقاتليهم من الأغلبية، هكذا روت أحد الناجيات تفاصيل يوم قتل عادي، يعود إلى عشرين عاًما مرت على الإبادة الجماعية، بينما يجلس بجوارها قاتل منحته عفوها.

“على أسوار جامعة القاهرة، المعارك مستمرة، حصدت 14 قتيلاً، و اليوم حاملاً أقلام وأوراقي إلى أرض المعركة، لم أدرك أن الرصاص سينفذ هذه المرة إلى صدري، لم يفرق العسكري الأسود  بيني وبين من يعتقد أنهم أعداء الوطن” كلمات من خيال الكاتب على لسان الصحفي خالد حسين أثناء توجهه إلى المستشفى عقب إصابته في الاشتباكات أمام جامعة القاهرة.

(5)

 يوم حكمت الأقلية التوتسي رواندا في بداية القرن العشرين، كانت الأغلبية تعاني، حتى أطاحت الأغلبية بالحكم الملكي التوتسي في 1959، وظل الصراع قائماً بينهم، بعد فرار الأقلية خارج البلاد وتكوين مجموعة متمردة غزت البلاد مرة أخرى عام 1990، ثم وقعت اتفاقية سلام 1993.

في نوفمبر 2012، ومن خلف أسوار الاتحادية، أدار رئيس البلاد ظهره إلى  المحتجين الغاضبين ضد إعلانه الدستوري ، ومن على نفس أسوار القصر قسم رئيس كل العباد البلاد، عندما  خرج يحي مؤيدي إعلانه الدستوري من المحتشدين أمام الاتحادية، فتأكد لنا حكم الأقلية للأغلبية.

 (6)

“اقتلوا الصراصير” هتافات تعالت بها أصوات الهوتو وهم يهجمون على سيارات يؤمنها الضابط السنغالي  باي ديانغ لنقل من معه من التتوسي إلى المطار.

“اقتلوا جنود الطاغوت” جملة من خيال كاتبها ربما تصف لحظة إنهاء الخدمة العسكرية لمجموعة من ذوي الحظ التعس على يد الجهاديين في سيناء، بعد صلاتهم الفجر.

 (7)

رئيس الأقلية يشكل لجنة تقصي حقائق في قتل ثوار 25 يناير، ويحفظ التقارير في الأدراج، وفي المقابل تحضر دائماً في خطاباته كلمة “الفلول” محملا إياهم الحروب الخفية ضد حكمه الجديد.

جاءت 30 يونيو والثوار تصالحوا مع “الفلول”، للإطاحة بديكتاتورية الأقلية، كثر الحديث عن عدم أخذ كل المنتسبين لنظام مبارك بجريرته.

قٌتل من قٌتل من الأقلية خلال ثمانية أشهر، وأعلن رئيس الأغلبية الجديدة وزارة لتحقيق العدالة الانتقإلىة يرأسها كهل في أرذل العمر، ولجان تقصي حقائق واحدة تلو الأخرى تٌشكل في أعقاب سقوط ضحايا وقتل من الجانبين، ولم يٌعرف الجاني بعد.

(8)

إذا جاءت القصة الرواندية الحزينة في إحدى الكتب المدرسية المصرية مصحوبة بالجملة الشهيرة –الدروس المستفادة- ماذا ستكون؟، وهل ستكون على بعض صفحات منها قصة مذبحة رابعة، وعلى أي لسان ستُروى للأجيال القادمة؟

الدرس الأهم: المصالحة تلك الكلمة البغيضة التي يستنكرها حماة الدولة الوطنية ضد دعاة الدولة الإسلامية، والتي رفضها الإسلاميون يوم ضد كل من يثبت صلته بنظام مبارك، هي ما ساعدت  أقلية وأغلبية الروانديين على التعافي، فكما قالت الناجية السابقة “لقد تعلمنا الغفران في حلقات علاج”، درجة التسامح تفاوتت من أحد لآخر كما جاء في القصة المصورة لجريدة نيويورك تايمز التي جمعت بين جناة وضحايا الإبادة، في صور جمعتهم معا كان البعض يتحدث في حميمة أمام الكاميرا، وآخرين لم يستطيعوا أكثر من الاعتدال في جلسه التصوير.

 يوم يَعترف من لوثت يداه بدماء الطرف الآخر قائلاً بوضوح لضحيته “كانت مهمتنا ألا نبقي أحد على قيد الحياة”…ستتحقق العدالة الانتقالية دون وزارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد