أحد فروع الفلسفة يسمى فلسفة الأخلاق، وهو الفرع المعني بإجابة سؤال (ما الذي يجعل فعلًا ما سليمًا أخلاقيا؟)، هل مثلًا النتيجة النهائية، أم أن هناك قيمًا مطلقة مثل الصدق، قيم هي في حد ذاتها تجعل الفعل سليمًا بغض النظر عن النتيجة التي يأتي بها، … إلخ.

أحد المذاهب الشهيرة في فلسفة الأخلاق هو المذهب الطبيعي، وهو المذهب القائم على فكرة (فلنبحث عما يناسب الطبيعة البشرية ونتبعه). لدينا أبحاث في علم النفس والاجتماع، فلنتبع ما تأتي به هذه الأبحاث لتكون خياراتنا الأخلاقية قائمة على العلم.

هناك عدد من الانتقادات التي تقفز للذهن بسهولة عند سماع هذه الفكرة مثل الاختلافات بين البشر وطبائعهم، مدى دقة هذه الفروع من العلوم والخلافات بين علمائها مقارنة بالعلوم الجامدة كالرياضيات، مثل فكرة أن الطبيعة البشرية قد ترضيها أشياء غير سليمة أخلاقيا وعلينا أن نقاوم طبائعنا البشرية، وغيرها كثير من الانتقادات التي إن لم تتفق معها كلها فإنك على الأقل تتوقعها.

لكن أكثر الانتقادات التي قرأتها عمقًا لهذه الفكرة كان انتقاد سارتر. سارتر قال إن هذا التفكير هو تفكير يتهرب من حقيقة أنه لا توجد إجابة سهلة حين يتعلق الأمر بالصواب والخطأ وأن على كل إنسان أن يتخذ قرارًا. هذا تفكير يحاول أن يستخدم العلم للهرب من اتخاذ القرار الأخلاقي، هرب من واجبك أو طبيعتك الإنسانية.

أول ما خطر ببالي عندما قرأت هذا أن هذا بالضبط ما لاحظت من فترة أنه يحدث عندنا لكن على نطاق مجتمعي واسع. على الرغم من أني مقتنع أن البشر، على اختلاف ألسنتهم ودياناتهم وطباعهم  بقدر ما متشابهون، وخاصة في أخطائهم قبل ميزاتهم، إلا أن هذا التحليل كان مذهلًا بالنسبة لي، كان مذهلًا بالنسبة لي أن يرى شخص ما نفس ما رأيته في مجتمعنا المريض في وسط أتباع مذهب فلسفي ما لم يسمع به معظم الناس عندنا.

في مجتمعنا يتم النظر للدين على أنه وسيلة للهرب من اتخاذ الخيار الأخلاقي. هناك مثل عامي يقول (لبسها في عمة شيخ) بمعنى أن تبحث عن رأي ديني من أي رجل دين فتتبعه، إن كان خطأً فإنه يتحمل الوزر.

لكن العلماء اختلفوا في كل قضية تقريبًا، مما يجعل اتباع رأي بعينه دون آخر هو في حد ذاته قرار. أنت حين تتبع رأيًا ما فإنك قد اتخذت قرارًا، أنت قد رأيت أن هذا الرأي أرجح من ذاك لأسباب أكثر من مجرد العلم الشرعي والتحليل العقلي المنطقي، خياراتك محملة بالكثير من تحيزاتك الفكرية. اختيارك لرأي دون آخر يضم في طياته نظرتك وفهمك لله، نظرتك وفهمك للطبيعة البشرية والحياة عمومًا. ربما كان متخذ الاختيار واعيًا بتفكيره self aware ويدرك أنه عمومًا يميل لترجيح شيء عن الآخر (العدل عن الرحمة مثلًا) ويعرف بدرجة أو أخرى السبب في ميل تفكيره في هذا الاتجاه، وربما لا يكون واعيًا، لكن في كل الأحوال أنت تتخذ قرارًا ما، حتى وإن كان قرارًا بأن تكون إمعه يتبع شخصًا بعينه في كل ما يأتي به هذا الشخص بحجة أنه (من ذوي العلم) أو (اسألوا أهل العلم) أو أي حجة فارغة أخرى فأنت اتخذت قرارًا بأن تكون إمعه ناقص الإنسانية.

هكذا أفهم أنا الحديث الشريف «استفت قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»، وهو ما دفع بعض العلماء لتحريم العمل بالفتوى لمجرد أنها فتوى إن شعر الشخص بأنه لا يستريح لها.

بديهي أن هذا ليس معناه أن تهمل العلم وسماع الآراء المختلفة لعلماء الدين – إن وجدت من يصلح لتسميته كذلك – وما بنيت عليه، لكن في النهاية يظل هناك عامل إنساني لا يمكنك أن تهمله هو أنك تتخذ قرارًا وأن الدين لا يقدم حلًا بسيطًا يعفيك من مسؤولية أخلاقية ويجعل المشكلة كلها فقط في تنفيذ الفعل وليس في معرفة أي فعل هو المناسب.

الأمر ليس حكرًا على المتدينين فقط بل حتى من يرفضون الدين فيهم من ينتقد فكرة أن هناك مذاهب مختلفة كلها تسمح بأي شيء وكل شيء. هم أيضًا ينظرون للدين على أنه وسيلة لإعفاء المرء من اتخاذ قرار بأي اتجاه يسير فيه، هو وسيلة لمعرفة الصواب من الخطأ بنفس الوسيلة التي تستخدم أنت بها ويكيبيديا لمعرفة مساحة ساحل العاج.

الأمر له علاقة بالثقافة العامة في المجتمع التي لا تقبل الخطأ ولا تشعر بالأمان تجاه فكرة ارتكاب الأخطاء. من مبادئ التربية عمومًا أن تسمح للطفل بارتكاب الأخطاء ومع كل خطأ تناقش معه كيف نصلحه وماذا كان الخطأ تحديدًا وكيف لا نكرره. هذه أشياء كنت أسمعها ولا أراها حتى عملت في بوكينج.

بوكينج تسمح بالكثير من التجريب والخطأ بدون وضع  الكثير من القيود المألوفة في عالم السوفتوير التي تمنع الأخطاء من الحدوث إن وصلت للحد الذي يحد من قدرة الناس على التحرك والتجريب السريع. هذا له تبعاته بالطبع، ونحن نتحدث عن موقع يحقق آلاف اليوروهات في الثانية الواحدة، لكن في الشركة هناك ميزانية شهرية مرصودة لتبعات هذه الأخطاء، لأن هذه الأخطاء لها جانب آخر هو أنها تسمح بخروج الأفكار التي تؤدي للنجاح. ما دام خطأك ليس قائمًا على إهمال فإننا سندرس الخطأ وكيف نتجنبه ثم نعلنه للآخرين ثم نتحرك، لا لوم ولا عقاب من أي نوع.

من المألوف تمامًا في الشركة أن تسمع الكثير من المبرمجين الكبار كل منهم يتحدث عن المرة التي ارتكب فيها خطأ تسبب في توقف الموقع عن العمل لبضع دقائق خسرت فيها الشركة ما يزيد عن مرتبه في عامين كاملين. أحد المرات رأيت أحد المبرمجين الكبار يطوف على المكاتب متسائلًا ما معناه (محدش خرب الدنيا في الفترة الأخيرة؟) لماذا يسأل؟ لأنهم يقومون بعمل منشورات دورية عن خطأ حدث وما الذي تعلمناه من هذه الخطأ ويعلقون هذه المنشورات على الجدران في الشركة!

أنا قادم من ثقافة لا تقبل الخطأ من الأصل لهذا كنت ومازلت أرى ثقافة قبول الخطأ بشدة ومازالت عيني ونفسي حساسة لها بشكل مبالغ فيه مقارنة بالغربيين الذين عاشوا وسطها بقدر ما. ثقافة عدم الشعور بالأمان تجاه ارتكاب الأخطاء عامل في أن مجتمعنا كله إلا من رحم الله متعلق بساق سفيه يسحبه في اتجاه ما يعده أن فيه الخير، الفارق فقط في شخص السفيه، ومن هذه الثقافة يأتي البحث عن الدين كوسيلة تجنب المرء اتخاذ قرار قد يكون خطأ ولو أكملت الخط على امتداده ستفهم التكفيريين الذين لا يرون في من يخالفهم إلا مخالفًا للدين لأنهم يرون في الدين والاتجاهات الفقهية التي اختاروها شيئًا يعفي المرء من اتخاذ قرار ما. بالنسبة لهم ليس من الطبيعة البشرية ولا من واجبات البشر أن يبحثوا بأنفسهم عن الصواب والخطأ والبحث الذي أقصده هنا ليس مجرد بحث عن كتب تقدم الجواب النهائي بل هو بحث محمل بطبيعتك البشرية بكل ما فيها من ميزات وعيوب وصراعات وأحلام وإخفاقات. وبالطبع سترى في خيارات هؤلاء الفقهية ما تحمله نفسهم من نظرة لله والدين والناس والحياة في العموم، وهو ما يستحق أن تكتب فيه كتب كاملة ممن هو أقدر منه وأكثر علمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد