لطالما كانت مشكلة التحرر من الاستبداد أصعب من التحرر من الاحتلال، وعلى الرغم من أن مصر من أكثر الأمم حضارة وقوة ورسوخًا وحيوية، إلّا أن معضلتها الكارثية كانت استمرارية الطغيان، ولعل السبب الرئيس يكمن في ضياع اللحظات التاريخية الفارقة لحكم أنفسهم بعدل وحرية، وضياع البديل المتاح في وقت التحدي لقيادة ما بعد الانتصار، وهنا أصل المحنة!

بعد عصر المماليك المجحف والاحتلال العثماني الجاهل، كانت قد جففت منابع المعرفة والفضيلة والقوة والقيادات السياسية من الشعب المصري، بل لم يكن هناك ثمة مصري واحد يعتقد في صلاحيته لمنصب الحاكم أو إدارة الدولة في الأماكن العليا منها خصوصًا أن أغلبهم يدين بالولاء السلطاني للحكم التركي المخبول المختبئ زورًا في شعارات الخلافة الإسلامية وهو يعيث في أرض مصر فسادًا ونهبًا، فكان حري بدولة قامت على الجهل والبغاء واجتلاب الجواري والغلمان ونهب الأوطان الآمنة أن تستغل بلدًا بحجم مصر وتحوله إلى ولاية مقهورة مجففة المنابع من كل شيء، حتى وجد المصريون أنفسهم في ساحات الدفاع عن أنفسهم منفردين بعد هروب المماليك وخيانة العثمانيين، فاستيقظوا بمقاومة هزت أركان الاحتلال الفرنسي الآتي للتكالب على بلدهم الجريح، وخلال خمسة أعوام من استيقاظ وتمرد وحركة نشاط أفاقت شعبًا من نوم طويل تحت حكم الأغراب ونهب المماليك والعثمانيين، حتى شاء القدر أن تأتي أعظم فرصة لحكم أنفسهم من جديد بعد مئات السنين التي ولت من غير أن يحكم مصر شعبها، وفي تلك الفرصة التاريخية لم يجد المصريون من بينهم من يستطيع حكمهم فأعادوا البلد بأنفسهم وإرادتهم للأغراب عن طريق طلبهم من الاحتلال العثماني الاستمرارية واختيار الوالي لهم أيضًا من الأغراب، فأتى مؤسس تلك الدولة البوليسية المستعبدة العاتية «محمد علي» ليحكم مصر وتستمر مصر 200 عام آخرين تحت حكم الأجانب واحتلال في إثره احتلال.

ومن نفس المنطلق تقريبًا ينتهي الانتصار لانعدام البديل! فبعد 60 عامًا من حكم «المؤسسة العسكرية» والرأسمالية المتوحشة والمتغربة للدول القومجية ما بعد الاحتلال، لم يجد الشعب بديلًا صالحًا لإدارة الدولة فترةً انتقالية تحضر لعصر جديد من المدنية والقواعد الدستورية؛ فانهار البلد وأجهد الشعب أيّما إجهاد، فقدت مصر كل بريقها وغلب اقتصادها الريعي الهش على أي إصلاح ممكن أن  يصبر عليه الناس، لتجد مصر نفسها بدون سياسة ولا نخب فكرية صالحة للقيادة، بدون مؤسسات صالحة، بدون حتى أُسس مُتفق عليها يبدأ منها تغيير حقيقي لكي يطور أو يستفيد من لحظة تاريخية نادرة!

تلك اللحظة التي استيقظ فيها الشعب المصري بعد أن أصبح الهواء والماء ملوثًا بعفن الفساد الخالص، والفقر يفتك بجسد أغلب المصريين، والبطالة تحطم شبابهم. وجدت مصر نفسها الأخيرة بين دول العالم في الصحة والتعليم والصناعة والزراعة والبحث العلمي، ووجدنا مدن مصر منهارة البنية التحتية وسكك حديدها أشبه بمشروعات موت بطيء، وطرقها تحصد من الضحايا ما لا تحصده الحروب، وأصبح الإهمال والفساد دين الدولة الرسمي، والنفاق والتخلف ديدن أغلب المسئولين، ليثور طليعة من شباب مصر الفاقد للأمل المنهك من البطش الأمني والمتألم من انتشار العشوائيات والفقر والضحايا لفساد مبارك ونظامه، ويجد الشعب المصري نفسه من جديد بعد سبات طويل في بؤرة أحداث العالم بعد أن تضاءل حجم مصر بعهد السياسة الخارجية المصرية بعهد مبارك، وتدب روح الحماس في المصريين العاديين وتحرك أغلب أبناء الطبقات الوسطى للانضمام الفعلي للثورة من مظاهرات ضد النظام لإسقاطه، أو من مؤيدين لأهداف الثورة وشعاراتها. ولكن عندما حانت الفرصة ليحكم المصريون أنفسهم بحرية وعدل، تلفتوا خلفهم ليجدوا الثورة المضادة في ثوب عسكري يحكمون من جديد ونخبة من دولاب نفس الدولة ترفع شعار الإسلام هو الحل!

وهنا تعطلت الثورة وفقدت محركها الرئيس للاستمرار لانعدام وجود قيادات وبديل حقيقي ببرامج ثورية إصلاحية قابلة للتطبيق، ولم يخلق الجيل الثائر ممثليه الحقيقيين في الحكم ولم يجدوا بديلًا حقيقيًا يجسد أهداف ثورة يناير ومدنية الدولة الحرة، ويقف بعناد ضد إعادة استنساخ حكم المؤسسة العسكرية الغاشمة. فهل حقًا كان يوجد من شباب الثورة من يستطيع التصدي للقيادة؟!

فالحقيقة أن أهم ما افتقدته الثورة المصرية هو القيادات والكوادر الشابة المدربة والمستعدة للسياسة والإدارة؛ فلم يكن هناك نخبة فكرية أو سياسية أو اقتصادية قد تشكلت بفكر الثورة الجديدة، بل لم يكن هناك فكر راسخ لتلك الثورة يقود وعي أبنائها ويوجه بوصلتهم نحو برامج حقيقية تطبق على أرض الواقع، لم يكن هناك سياسة في مصر لعقود ستة تجرع فيها المصريون العجز والنفاق والخنوع واللامبالاة بمصير الحكم ومشاكل القيادة، وورثنا سلفية في كل شيء فكل العجائز يصلحون للإدارة بالحكومات كلما كبروا، وكل القديم جيد لابد أن نعيده في السياسة؛ مؤسسة عسكر وإخوان بالمعارضة ثنائية الفشل الأبدي، وفي الفكر والثقافة والفن كل ما هو قديم يعبد وكل ما هو جديد يرفض من قبل أن يعلن.

بالتالي جفت مياه النيل الهادر من نخب مستعدة للحكم ولقيادة البلد، ولم يكن بثورة يناير قادة ومفكرون يقودون تحولها لواقع ملموس، ولم تكن هناك برامج معدة لمعالجة كوارث الدولة الفاشلة المنهارة ولا تقديم حلول حقيقية تحشد الشعب حول «البديل المنشود»، وأصبح أمامنا معضلة الإجابة عن سؤالهم الجوهري والمستمر؛ إن راهنوا بأعمارهم ودمائهم على التغيير الجذري وواجهوا مؤسسة التجبر والبطش التي تحكم الآن وقاوموا بحماس وإرادة مصالحها ومصالح اللصوص الآخرين فمن سيكون البديل؟ وكيف ستتقدم مصر الثورة؟ هل سيصبح لدمائهم ثمن؟ هل ستتغير مصر المستقبل ليرى أبناؤهم خيرًا وتقدمًا لم يروه هم؟! أم سنعيد الكرة حين كان أبناء الثورة يناقشون هوية الدولة ومعارك السلطة والشوارع المكتظة بمطالبات فئوية لا تنتهي، فيضيع البديل المنظم كأن الثورة وشهداء ومعتقلين جددًا دون رؤية واضحة واتفاق حاسم يراه الشعب لكي ينضم له. لذلك آن الأوان لنعد البدائل والبرامج ونتعلم من أخطاء ونواقص الثورة، ونستفيد من مشاكلنا التاريخية لنتفادى شعارات جوفاء ويحل الانتصار الحاسم محل اليأس والخيبات المتتالية، لأن المشكلة تبدأ من البديل خصوصًا عندما تكون الثورة المضادة تحمل كل أركان فشلها وانهيارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد