عندما أتأمل بعض المجتمعات، التي كانت بالأمس مجتمعات شبه معدومة، مقارنة بما كانت عليه بعض الدول العربية آنذاك؛ ينتابني الشعور بالأسى والحزن، وأنا أرى اليوم تلك المجتمعات، وقد أصبحت في مصاف الدول المتقدمة، صناعيًا، واقتصاديًا، وعلميًا، وثقافيًا.

وأرى وطننا العربي المتألم، خاوٍ من معالم التجديد والتحديث، رغم أنه قد كان في سباق لدخول مرحلة التطوير، في عهد ما بعد استحقاق الاستقلال التام، والتحرر من قيود الاستعمار، والوصاية الأجنبية، لكن على ما يبدو، إن الأمر لم يدم طويلًا، وكان مجرد أمنية، تحقق جزء منها، والجزء الآخر ما زال في وهم.

وصول تلك المجتمعات إلى الرقي، والتقدم، والنهضة اللا محدودة، لم يكن بمجيء الصدفة، أو الحظ، بل كان نتاج سياسات، وخطط مستقبلية، على المدى البعيد؛ أي أنها خطط استراتيجية بحتة، مكنت من نهوض المجتمع، والوطن إلى خارطة واضحة، لا تعرف الغموض، أو التسويف في تنفيذها.

ماليزيا هي أحد نماذج تلك المجتمعات، التي قدّر الله لها أن تحظى بقائد لا يعرف الانكسار، أو الانحناء لضيم الحياة، وتشعباتها؛ إنه الدكتور «محمد مهاتير»، وهو من كان قائدًا لهذه النهضة التقدمية، لمجتمعه الماليزي، وهو من كان عجلة التسارع؛ لنمو وبناء مجتمعه، فقد وصل إلى سُدّة الحكم في منصب رئيس الوزراء لدولة ماليزيا، بعد تسلقه عدة مناصب قيادية، وذلك في بداية العام 1981م.

وماليزيا كانت على انهيار حادٍ، وتمزق مفرط، ومن أفقر دول العالم، وذات مديونية لا يغفل الإعفاء عنها، إضافة إلى الجهل، والتخلف، والمرض، والصراعات المذهبية المتعددة؛ نظرًا لتعدد الديانات، والفئات المجتمعية، رغم أنها تَتَّبِع الإسلام المُحمدي؛ باعتباره ديانة للدولة، ونظرًا لتعدد الديانات في العالم كان لها نصيبٌ من ذلك التقسيم الطبقي.

إن تواجد الديانة البوذية والهندوسية؛ كان سببًا لوجود الصراع المذهبي، مع وجود نوع من التقسيم الفئوي، علمًا بأنها دولة تكونت من ثلاث فئات؛ وهي كالتالي: «فئة المالايا وهم السكان الأصليين لها، ويُقدّر عددهم عشرة مليون نسمة، من إجمالي عدد السكان الكلي، المقدر أربعة وعشرين مليون نسمة، حسب التعداد السكاني لعام 2005م، وفئة من الصينيين الجنوبيين، وفئة من الهنود، وبعض الأقليات».

ورغم كل هذا التشتت والتعقيد، إلا أن ذلك الزعيم التنويري، لم يجعل اليأس حليفًا لطموحاته، وقيدًا لإرادته الذاتية، في تحقيق النهضة لبلده؛ فاتخذ من الخطة «2020» بداية لتحقيق نهضة حقيقية، لنشل المجتمع الماليزي مما هو عليه في ذلك الوقت، إلى قدر يليق بالكرامة الإنسانية، والدفع به إلى حيث يرتقي العالم.

حقًا لقد استطاع أن يعرف طريق البداية؛ لتحقيق ما يرنو إليه، في نطاق جغرافية وطنه المصغر، والذي تُقدر المساحة الكلية له، مقارنة بالمساحة لمساحة أصغر وطن عربي، فرقًا كبيرًا جدًا، حيث تم تقديره حسب ما ذكرت بعض المصادر، أنها لا تتجاوز 330.290 كم مربع؛ أي ما يقارب 120 ميلًا مربعًا، وكما يُقال فكرة نجاح الشعوب لا تُؤخذ من ناحية مساحة الدولة، أو تعدادها السكاني؛ بل بالقائد الفذ الحكيم الذي يملك العقلية الإيجابية التفاؤلية، وصاحب النفس النزيه، والأيادي البيضاء، التي لا يدنسها ترف المنصب، أو عظمة الجاه.

إنها فكرة بسيطة لفهم هذا التغيير، الذي طرأ على ماليزيا؛ باختصار كان له الحظ أن تنجب قائدًا لمسيرة نهضتها، بحجم دكتورها المهاتيري؛ الذي استطاع فعلًا أن يبذل جلّ جهده، وخبراته العلمية، والعملية؛ لوضع خطة التغيير المخطط، الذي يعني له، ولكل من عمل معه في بناء نهضة ماليزيا؛ «نوع التغيير الذي يعتمد على وضع خطة مسبقة، ويجب على كافة الأفراد، الذين يعملون على تطبيق هذا التغيير، أن يتقيّدوا بكافة الخطوات، والإجراءات المرتبطة به، حتى يتم تحقيق التغيير المطلوب، وعادةً يُستخدم هذا النوع من التغيير أثناء العمل على المشروعات، التي تهدف إلى تحديث وتطوير وظائف، أو نشاطات قائمة».

هكذا بدأت الرؤية واضحة الهدف؛ لخروج الدولة الماليزية إلى حيث الوجود والتطبيق، بداية التحديث لم تكن مكلفة، بذاك القدر المتصور؛ حيث الانطلاقة كانت من خلال توحيد الصف بين فئات المجتمع، بمختلف الأطياف والتوجهات داخل المجتمع، والمجتمع الماليزي كما ذكرت آنفًا؛ كان عبارة عن خليط لديانات متعددة، وطبقات فئوية كثيرة.

إن سلوك نهج مبدأ التوحيد؛ حقق النجاح، وبالمستوى المرغوب به، بعد تثبيت مبدأ الحرية، والتسامح، والتصالح، والترحيب بقبول الآخر، مهما كان توجهاته وعقائده؛ هذا ما سهّل من البدء في تحقيق خطة «2020»؛ وذلك عبر البحث عن دولة داعمة، ومنتجة تفيدها بالنمو والتطور.

وكانت دولة اليابان هي الحليف الفعلي، والصديق المشترك لماليزيا حينها، لم تبخل تلك الدولة برفض دولة بدائية تواقة للتغيير، بكل ما تتطلبه مرحلة التغيير، والتغلب على كل الصعاب والعراقيل، وما هي إلا فترة وجيزة ليتسنى لها الأمر؛ لأن تكون قادرة على تطوير وترتيب هيكلها، وموازنة قواها من حيث تحررها من وصايا، واتكالية الدول المتقدمة الإمبريالية، التي كانت تنظر إليها باعتبارها واحدة من الدول النامية الأكثر ضعفًا وفقرًا، مثل «اليمن، والسودان، والصومال، وبعض بلاد الشام».

وبحنكة وتطلعات قائدها في تحقيق الرقم الأصعب؛ حققت ماليزيا نهضة اقتصادية، وصناعية، لا يقارن بها من خلال سياسة التركيز على تنمية الموارد البشرية، وتفعيل دورها الإنتاجي، عن طريق الاهتمام بالقطاع التعليمي، بفرعيه العام والجامعي، مع تطبيقها نظريات التعليم الحقيقي، المعمول بها عند أرقى دول العالم.

وكان للمعرفة وتسليحها للجيل الماليزي؛ الأهم الأكبر عند أصحاب القرار، ومن منطلق إتاحة التعليم المجاني، لكل مواطن ماليزي، مع توفير البيئة العلمية المناسبة، تكونت هناك نخبة كبيرة من المتعلمين، وأصحاب الدرجات العلمية العليا، استطاعت ماليزيا من إنتاج وصناعة ماركاتها المسجلة، والتي هي اليوم مقصد الجميع.

وبما أن أول اهتمام السلطة كان التعليم؛ فضخت المليارات لتطوير هذا القطاع الحيوي، فبنت المدارس بمواصفات عالية الجودة، مع فتح مجال التعليم الأكاديمي بحُلة راقية، توافق معايير جودة الاعتماد الأكاديمي، على مستوى العالم، لم تتخذ من الدراسة التقليدية، والتلقين المفرط مجالًا لها، بل تعليمًا قائمًا على الأبحاث، والتجارب، والتطبيق على واقع الحياة العملية؛ عبر توفير وتجهيز أحدث المعامل، والمختبرات التطبيقية، ذات المواصفات العالمية، مع التركيز بشدة على انتقاء أهم التخصصات العلمية، المرغوب فيها، والنادرة، ودفع طلابها نحو اللحاق برِكَابِها، من تخصصات مختلفة مثل؛ الطب، والهندسة، والكيمياء، والتغذية، وعلم الفضاء، والمناظير، والتعدين، وغيره من العلوم الأخرى، ذات الصلة المشتركة، بنهوض الثورة العلمية داخل المجتمع.

عدم تجاهلها لهذا الجانب هو ما جعلها بوابة العالم الرئيسية للتعليم والتعلم؛ لسبب بسيط جدًا أنها تتمتع بإمكانيات معنوية، ومادية، سهلت من عملية مواكبة الأبحاث، لدى وعشاق العلم، مع توفير إمكانية البحث السهل، لكل مبدع وصاحب هدف يريد تحقيقه.

وإدراكًا من مسئوليها بحجم الفائدة العائدة من قطاع التعليم؛ كان مقدار الإنفاق السنوي لمجالات البحث العلمي، في قائمة الصدارة، من حيث البذل السخي، والرصد السنوي، في قائمة الموازنة العامة لها سنويًا، والذي خصص 256.92 دولار أمريكي، لكل فرد.

هنا ما يجعلنا أن نقف على درجة من الاستغراب والإعجاب تجاه هذه الدولة، الوليدة والعملاقة في وقت واحد، ونحن نرى نسبة الإنفاق مقارنة بما ينفق في الدول العربية، لمجالات البحث العلمي، التي لم تصل إلى أدنى من الصفر، عدا دولة عربية وحيدة، تجاوز إنفاقها لمجال البحث والتطوير 214.16 دولارًا للفرد، لعام 2013، وهي دولة الكويت.

وإن لم يكن أصلًا هناك بحث علمي، مع الافتقار؛ لقلة في إمكانيات التعليم، وعدم وجود سياسة تحفيز، تدفع إلى بذل الكثير من الأموال، مقابل الحصول على تعليم يواكب العصر، ويجعل الفرد يحاكي ذكاءه، بالذكاء الاصطناعي، ويجني ثمار ذلك الإنفاق؛ دخلًا يضاعف ذلك الإنفاق السنوي، لموازنة الدولة العامة.

هذا الإهمال؛ هو ما جعل الأمل يموت في نفوس المبدعين، والطامحين، وعشاق التعليم، وخلو الوطن من بيئة التعليم الحقيقية، إضافة إلى الافتقار إلى قوة الإمكانيات المشجعة؛ لقيام عملية تعليمة، تتوافق مع معايير بسيطة، من خطط التعليم المعترف بها، عند أكثر الدول، حيث أغلب إمكانيات التعليم غير متوافرة، بالشكل المطلوب، الذي يجب أن يضاهي فيه، العصر الذي نعيشه، والذي هو عبارة عن ثورة تعليمية، تكنولوجية كاسحة، لكل تخصصات الحياة، أي؛ «العالم اليوم أصبح قرية مصغرة، تتحكم فيها أثير الفضائيات، ومحركات المواقع، ومدارات الأقمار الصناعية، في الفضاء».

بمعنى إن زمن النظرية النسبية التي تحدث عنها العالم الألماني «ألبرت أينشتاين» قد اقترب حدوثها، والعالم اليوم أمام تغيرات جذرية، لكل مقتنيات الحياة، ولا مجال للتراجع لزمن التخلف، والتجاهل، واللا مبالاة؛ فالعالم يتقدم بسرعة الضوء، والعلوم أيضًا تتقدم.

كيف إذن يمكننا أن نرى التطبيق الواقعي، لكل ما يتعلمه الطالب في أروقة الجامعات العربية؟ وهو لا يرى المعامل، والمختبرات المجهزة، بأحدث التقنيات، فقط الدراسة قائمة على التلقين، والحفظ؛ أي تحت عبارة نسخ ولصق وهذه المعضلة؛ هي من دمرت جودة التعليم الحقيقي للطلاب، إضافة إلى انعدام شبه كلي للبنية التحتية للكليات، والمعامل، والمراكز البحثية اللتان هما أساس، وواجهة، تجذب المتعلم نحو التعليم؛ نظرًا لما تتمتع به من صروح عملاقة، وبيئة تعليمية قائمة على مبدأ التحديث والتجديد.

الغريب أن أغلب المرافق التعليمية العامة، والأكاديمية في كثير من بلدان الوطن العربي، مقارنة مع ماليزيا، تشبه السجون؛ المكتظة بملامح اليأس والأسى، هذا هو سبب التخلف والجهل، الحاصل في بلادنا، كون من يرجع إليهم الأمر في وضع خطط التنفيذ، لا يضعون للتعليم مكانته المقدسة، بل الإهمال والتسويف لهذا الجانب؛ هو سبب فعلي لتراجع المستوى العلمي والتعليمي، لدى أغلب أبناء الوطن العربي، وسبب في تدني الإنتاج المعرفي، والثقافي في الساحة العربية.

ما جاء سابقًا أن عملية التحديث والتطوير المستمر، نتاجه من فكر قائد قدّر العلم، وقدسه، وأحب مواطنيه في الدفع بهم نحو صروحه، والحث على مواكبة كل جديد ونافع، هذا هو رئيس وزراء ماليزيا، لم يكن كما يكون الوزير العربي، أو رئيس الوزراء العربي، ربما لا يحمل شهادة الثانوية العامة، بل كان يحمل المؤهل الجامعي، الذي جعله يقاوم عثرات التغيير حتى صناعته.

إنسان تعلم فقدّر التعليم، وهو في منصبه، هو دكتور، ولم يكن إنسانًا عاديًا، يحمل فكرًا سطحيًا، وأفكارًا معتادة أو مألوفة؛ لذلك حمل ذلك العقل التنويري التقدمي، والنظرة الثاقبة، إلى ما وراء الأفق؛ لهذا كان جديرًا بأن يصنع التغيير لماليزيا، ويجعلها في صدارة الدول المنتجة، غير المتواكلة على صدقات الدول المانحة، أو تبرعات البنوك، وقروض الصندوق الدولي.

للعزيمة التي كان يتمتع بها؛ حقق ما هو مستحيلًا، لدولة كانت من أفقر دول العالم؛ لتصبح في وقتنا الحاضر مزارًا أوليًا للسياحة، والتعليم، والاستثمار الناجح، ولخطة «2020».

سر ذلك النجاح الساحق، رغم أنها لم تصل بعد إلى هذا العام السحري، لكنها قد تجاوزت ما كان مخططًا لها، وتخطت صعابًا لم تستطع عليها دول عظمى.

إن ماليزيا اليوم علامة مسجلة في الصناعة الإلكترونية، والمعدات، والسيارات، وكل ما تتطلبه المرحلة، وهي في سباق، وتقدم مع الدول المتقدمة، وله حضور متجدد في كل محافل العالم.

التخطيط المدروس، والقائم على الفهم، يستوعب متطلبات الواقع، والنهضة في مضمار واحد، هو ما سهّل التغيير أن يحدث لشعب ماليزيا؛ الذي هو اليوم أكثر ثقافة، وتحضرًا، ووعيًا في العيش، والسلوك، والنمط الحياتي.

شعب ارتقى بفكره، وبثقافته، وبنمط غذائه الصحي، ونمط حياته المعيشي، البعيد عن الإسراف، والتبذير، بل على الاقتصاد، والتخصيص المالي لكل ميزانية؛ هكذا علمُوهم في المدارس، والجامعات ثقافة العيش المنظم، وفلسفة الادخار للمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بحثي, علمي, مقال
عرض التعليقات
تحميل المزيد