لنفترض أن مليون قرد يضاربون في البورصة (يشترون ويبيعون الأسهم بحماسة)، صدفة وبعد عام سنجد أن استثمارات نصف القردة حققت أرباحًا بينما تكبد النصف الآخر خسائر ثقيلة. وفي العام الموالي أيضًا سنجد أن نصف القردة قد حققت أرباحًا بينما خسر النصف الآخر . وهكذا، بعد 10 أعوام سيبقى حوالي ألف من القردة الذين نجحوا دائمًا في استثماراتهم على الوجه الصحيح. لكن بعد 20 عامًا لن يبقى سوى قرد واحد ظل ينجح على الدوام في استثمار أمواله وأصبح بالتالي مليارديرًا (من كتاب فن التفكير الواضح).

تخيل ردة فعل وسائل الإعلام وكيف ستنهال عليه لمعرفة سر نجاحه ومبادئه، بل سيخلقون له أسبابًا لذلك: ربما له عادات معينة في أكله أو نومه، أو لا بد أن تكون له وصفة سحرية خاصة أنه كان يتخذ القرارات الصائبة طيلة 20 عامًا.

أولًا: ماهو انحياز النتيجة؟

 تصور هذه القصة أحد أخطاء التفكير الشائعة (الانحيازات المعرفية) والذي يسمى «انحياز النتيجة» outcome bias. ويحدث حين تقيِّم القرارات بناء على نتيجتها وليس بناء على عملية اتخاذ القرار في وقتها.

لنوضح أكثر بهذين المثالين:

المثال الأول: سائق شاحنة في حالة سكر شديد لكنه قرر القيادة وهو يعلم خطورة فعله. إذا وصل إلى وجهته دون أن يؤذي أحدًا أو يؤذي نفسه، فمن المحتمل جدًّا أن يقوم بالقيادة في حالة سكر مجددًا لأنه حكم على قراره بناء على النتيجة الإيجابية!

المثال الثاني: سعد وسعيد وأسعد ثلاثة مستثمرين استثمروا في البورصة طيلة ثلاثة أشهر. سعد حقق ربحٕا بنسبة 20%، وسعيد لم يحقق أي ربح ولا خسارة، بينما فقد أسعد 10% من استثماراته.

إذا كان عليك اختيار أحدهم ليكون مستشارًا لاستثماراتك في البورصة فمن ستختار؟

الاختيار الذي يبدو منطقيًّا هو المستثمر سعد، لأنه هو من حقق الأرباح، وهذا بالضبط هو «الانحياز للنتيجة». لكن الحقيقة أن قيمة الأسهم مرتبطة بعدة عوامل خارجية بالإضافة إلى أن ثلاثة أشهر مدة قصيرة للحكم على أن أحد المستثمرين يمتلك الخبرة ويستحق أن يكون مستشارًا لك. ربما أن سعدًا ابتسم له الخظ لتحقيق الأرباح طيلة ثلاثة شهور، في حين أن أسعد كان بإمكانه اتخاذ قرارات أكثر عقلانية. ربما أن أسعد بإمكانه أن يكون مستشارًا أفضل، ولكنك فضلت سعدًا بسبب نتائجه.

ما يحدث لنا، عند عملية تقييم قراراتنا، أننا نحكمها إلى منطق النتيجة. فإذا كانت النتيجة جيدة والحصيلة إيجابية فإننا نحكم على القرار الذي اتخذناه بأنه كان صائبًا. بينما في الحقيقة فقد وقعنا لاشعوريًّا في شراك انحياز النتيجة.

هذا الانحياز يحدث في جميع مناحي الحياة: القرارات الشخصية والمهنية والاجتماعية… والجميع عرضة له، ألا ترى معي صديقي أن الناس عندما يحكمون على أفعال الآخرين يركز أغلبهم على نتائج قراراتهم بدل نواياهم؟

ثانيًا: كيف تتجنب الوقوع في «انحياز النتيجة»؟

يمكنك أن تسأل نفسك هذه الأسئلة:

1- ما سبب هذه النتيجة؟

اسأل نفسك ما إذا كان القرار أو الفعل الذي قمت به هو السبب الوحيد وراء النتيجة، ومن المحتمل جدًّا أن تجد عوامل أخرى أثرت في النتيجة.

2- هل اتبعت أحسن سيرورة في اتخاذ القرار؟

اسأل نفسك هل اتخذت قرارك بعد فحص وتدقيق وإعمال فكر؟ إذا كان الأمر كذلك فإن النتيجة لا تهم. وإذا كانت النتيجة في غير صالحك فخذ وقتك في التفكير فيما أغفلته أثناء القرار.

3- هل كان القرار واضحًا وجليًّا قبل معرفة النتيجة؟

بعد معرفة نتيجة قرارك، من السهل عليك القول (وأنت تعود بتفكيرك للماضي): «أنا أمتلك المعلومة x فلماذا لم أختر القرار الصائب؟». انظر الآن إلى المعلومة x، هل كان بإمكانك التصرف واتخاذ القرار بواسطة هذه المعلومة فقط؟

ثالثًا: ماذا يمكن أن نتعلم من «انحياز النتيجة»؟

1- حتى لو كنت واعيًا بوجود انحياز النتيجة فمن المحتمل أن تقع فيه. لذلك خذ مذكرة واكتب فيها توقعاتك قبل ظهور نتائج القرار من جهة، واكتب من جهة أخرى جميع الخلاصات التي توصلت إليها بعد ظهور النتيجة. ستكتشف كم هي ضعيفة قدرتك على التوقع!

2- لا تحكم على أي قرار بناء على نتيجته؛ فالنتيجة السيئة لا تعني أن القرار المتخذ كان خاطئًا، وبالمثل فالنتيجة الجيدة لا تستلزم أن القرار المتخذ كان جيدًا.

3- عوض التباكي على قرار ثبت خطؤه، أو مكافأة نفسك على قرار أدى إلى نتائج بالصدفة، من الأفضل أن توجه تركيزك على دراسة الأسباب التي دفعتك إلى اتخاذ قرارك والاستفادة منها مستقبلًا.

يقول رجل الدولة والسياسي البريطاني ويليام غلادسون: «ليس هناك شخص أصبح عظيمًا على الإطلاق إلا من خلال أخطاء عديدة وكبيرة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اتخاذ, القرار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد