يسعى الوالدان جاهدين إلى توفير سبل العناية والرعاية لأطفالهم، وفي غمرة انشغالهم بما يرونه ضروريًا، من أكل ولباس، فإنهم يغفلون عن تخصيص بعض الوقت لكيفية تعليمهم وتلقينهم أشياء أخرى، ويتناسون أن يتواصلوا معهم بطريقة مناسبة؛ فمن خلال تجربتي المتواضعة والتي تقارب 15 سنة من عملي مدرسًا بمراقبة الأطفال يوميًا، والملاحظة الدقيقة لأفعالهم وردود أفعالهم داخل الفصل وخارجه، أحببت أن أشارك في إسداء بعض النصائح حول كيفية جعل الطفل مميزًا عن أقرانه، تجنبت ما أمكن المصطلحات التربوية العسيرة الفهم ليصل المقال إلى فئات عريضة.

يجب ألا يترك الطفل عبثـًا؛ فالأمر يحتاج ساعة صبر، ولا تقبل أعذارًا مثل: الأب أنا مشغول طيلة اليوم وفي المساء أستعد للغد، وما تقوله الأم أنا لا أجد الوقت الكافي، الأعمال المنزلية و…و…، تذكر أن طفلك أو طفلتك سيتذكر حتمًا عندما يكبر كل ما عانيته من أجله، وسيحفظ لك الجميل أو سيسخط على وجوده معكم؛ لأنكم لم تجدوا الوقت الكافي لتعليمه أشياء أخرى تجعله متميزًا، لا نتكلم هنا عن الأشياء العادية كغسل اليدين قبل الأكل والانتباه في الطريق، فهذه سيتعلمها تدريجيًا، فقط ينبغي عدم العجلة، وهذا أكبر خطأ تقع فيه الأسرة التي تريد أن تستيقظ صباحًا وتجد الأولاد قد نظموا أسرتهم ورتبوا ملابسهم وعرفوا كيف يعبرون الشارع.

لا تترك طفلك يتعلم وحده

يجب على الوالدين تغيير طريقة التعامل و التدخل من حيث:

التعلم

من السنة 3 وحتى السنة 5:

هنا يقوم الوالدان بتعليم الطفل داخل المنزل ما أمكن ذلك، بعض الحروف السهلة في النطق، والتدرج في الصعوبة متى تمكن من حفظ ما تعلمه في السابق، كذلك بعض الأرقام من 1 إلى10، طريقة التعليم تكون بالتلقين والتكرار:

التلقين المباشر بذكر الحروف والأرقام أمام الطفل، وعليه ترديد ما يقوله بطريقة آلية «الأمر يحتاج صبرًا والأهم في الأمر هو عدم الضغط على الطفل؛ فكلما كان رائق البال كان أفضل، ومتى بدأ الطفل في التململ وجب تغيير طريقة التلقين بالاستعانة بأغنية، أو ترك الطفل حتى يكون منتبهًا،. التسرع غير مطلوب، أن تكون الرغبة في التلقين متاحة من طرف الوالدين كليهما أو أحدهما، أما أن يضغط الأب على نفسه لفعل ذلك؛ فالأولى ترك الأمر لأنه لن يؤدي إلى ما هو متوقع من نتائج نظير الجهد المبذول، بعد الرابعة لو تمكن الطفل من ولوج التعليم الاولي كان أفضل، وإلا تم الاكتفاء بتلقينه بالمنزل ساعتين في اليوم، الساعة الأولى للتلقين، والساعة الأخرى للتذكر «ليس بالضرورة ساعة كاملة المهم أن تقسم الفترة إلى مرحلتين أقلها 15د»، مع التدرج في الصعوبة بزيادة الحروف والأرقام من 10 إلى 20 وهكذا، أيضًا يتم ذكر بعض الجمل البسيطة على شكل حوار من سؤال وجواب، مثل – ماذا أكلت؟ – إلى تريد أن تذهب؟ ماذا أحضر لك عند رجوعي إلى المنزل؟ وبعض العمليات 1+1،1+2، والاستعانة بالأصابع وأي شيء مادي لتقريب المفهوم بطريقة مستترة كي يستوعب عقل  الطفل ما يراد له تعلمه.

كما تتم الاستعانة بالوسائل السمعية البصرية الحديثة «هاتف- حاسوب- تلفاز…»، والبحث على الإنترنت يساعد حتمًا في مشاهدة برامج خاصة بالصغار تعلمهم الحروف الأبجدية والأرقام، بطريقة مثيرة لانتباههم.

لا يتم الاكتفاء بالعد والحروف بل يوجه الطفل نحو الرسم وتترك له الحرية لخربشة ما يريد، فقط توفر له بعض الأقلام الشمعية لتجنب إيذاء نفسه وأوراق الرسم لكي لا يرسم على الجدران أو الأرائك.

وحين يتقوى عوده في السنة الرابعة والخامسة يبدأ في مزاولة رياضة ما «جري – كرة القدم – كراتي- تايكواندو-…»؛ فالأطفال في هذه المرحلة وخصوصًا كثيري الحركة وذوي النشاط الزائد، يحتاجون لمزاولة أنشطة متعددة خلال اليوم للتخفيف من حدة الصخب والضجيج، في حالة عدم وجود ما يشغلهم.

في الصباح التعلم وسط النهار للنزهة والراحة، وبعد الزوال ممارسة الرياضة، وبعد المغرب تكرار ما تعلمه صباحًا، وبعد التاسعة ليلاً يذهب إلى النوم، فينام على الأقل 9 ساعات، استعدادًا ليبدأ يومًا آخر، وكله حيوية ونشاط، يجب تنظيم يوم الطفل حتى لا يشقى الوالدان في ذلك عندما يكبر ويبدأ في فرض ما يراه هو مناسبًا له.

الطفل من 5 إلى 10 سنوات:

يخصص له البرنامج نفسه مع الاهتمام بهواية يرى الوالدان أن الطفل مهتم بها ويميل إلى ممارستها، فيساعدانه على صقل تلك المهارة، بتوفير ما يحتاجه ونصحه بمزاولتها في أوقات محددة ولفترات قصيرة، كل هذا بجانب ممارسته للرياضة فأنا أعتبر الرياضة ضرورة وليست هواية «في نهاية الأمر إذا كان ذكاء الطفل محدودًا دراسيًا فسيهتم برياضته وهي كفيلة بتعليمه عدة مبادئ كالصبر وتنظيم الوقت والإنصات للأوامر».

تخيلوا طفلاً يهتم به والداه في البيت ومعلموه في المدرسة ومدربه في النادي الرياضي، ليست هناك حلول سحرية لمواجهة تمرد بعض الأطفال لكن، يبقى التلقين والتعليم والتوجيه حسب السنوات المختلفة من أنجع السبل لتربية الطفل.

التواصل

الطفل في المراحل الأولى يحتاج إلى تنفيذ أوامر محددة بدقة «اذهب لغرفتك، انتبه أثناء عبور الطريق، اكتب1، قل السلام عليكم، اغسل يديك، ارتد ثيابك» لا لمجادلة الأطفال من 2 إلى 4 سنوات لأن عقلهم لا يتوفر على رصيد لغوي يمكنهم من ذلك، وعلى الوالدين تفادي الجدال مع الطفل ما أمكن؛ فالحديث معه كثيرًا يجعله يعيد أغلب الجمل التي سمعها، بطريقة آلية دون فهم معنى بعضها.

وإذا أبدى الطفل ذكاءً حادًا في صغره، وجب عليهم استغلال ذلك لمصلحتهم ومصلحة الطفل بإلحاقه بمؤسسة تربوية تمكنه من تطوير قدراته ومهاراته.

هناك أطفال ذوو ذكاء متوسط  وجب إعطاؤهم الأوامر بجانب الاختيارات «مثلاً اذهب لإحضار طعامك إذا توقفت الجملة هنا؛ فالطفل في الغالب سيرجع خالي الوفاض لأنه لا يعرف أين يوجد طعامه، بل يجب توضيح الأمر: طعامك موجود في المكان الفلاني».

بالنسبة للأطفال ذوي ذكاء محدود، التكرار سيحل العديد من المشاكل التي تتخبط فيها بعض الأسر، كرر على مسمع الطفل ما تريده أن يقوم به مرتين وثلاث مرات حتى يستوعبه.

 من 5 إلى 10 سنوات:

يزداد إدراك الطفل لما حوله، ويزداد نهمه للتعلم والانتباه لما يقوم به الآخرون، وما يلبث أن يبدأ في طرح أسئلة كثيرة «كيف جئت؟ من خلقنا؟ لماذا لا أنام معك ماما»، علينا الإجابة بطريقة بسيطة وبكلمات يفهمها الطفل وعدم الإطناب في الشرح، من الممكن الابتعاد عن الموضوع الذي يتساءل بشأنه فيطرح أسئلة اخرى تكون مزعجة في بعض الأحيان، وأخرى لا يسع الوالدان الوقت للإجابة، لا يجب التكلم معه بصوت عال ونهيه بحدة وسخط واضحين، يعطى باللين ما لا يعطى بالقوة.

فالطفل بريء إذا اكثر من طرح الأسئلة وجب لفت انتباهه بحركات مضحكة فينسى أسئلته.

في هذه المرحلة يتعلم الطفل الكلام ويزداد رصيده اللغوي بصورة ملحوظة، يتم الاستعانة بقصص قصيرة ودعوته لقراءتها بجانب ما يطالعه في كتبه المدرسية ودور الوالدين هو اختيار الوقت المناسب وشرح المفردات الصعبة الفهم.

التواصل لا يكون شفهيًا فقط، على الآباء والأمهات حضن أطفالهم وتقبيلهم مما يزيد من ثقتهم أنفسهم لأنه يشعرهم بالاطمئنان والحنان والاهتمام والرعاية من أهم وأقرب الأشخاص لديهم .

لا لتعنيف الأطفال وضربهم، فالطفل وخصوصًا في مرحلة متقدمة من عمره سيتذكر لا محالة المعاملة التي كان يتلقاها من والديه؛ فالضرب له تأثير سلبي على الأمد الطويل وإن كانت نتائجه فعالة لحظيًا؛ لأنها تولد لدى الطفل خوفـًا يجعله يتوقف عن فعل ما كان يقوم به، هذا التأثير يتجلى في اكتساب الطفل سلوكيات يبدأ في القيام بها نتيجة ضربه، وأولها الكذب، وقد يستمر معه التأثير السلبي فيصبح الطفل مترددًا، غير واثق في قرارته، عنيفـًا في ردود أفعاله.

والحل إذا أريد تأديب الطفل وليس عقابه، هو حرمانه من الخروج لبعض الوقت، أو حرمانه من أشياء يحبها، أو وضعه في مكان منعزل ومطالبته بالاعتذار إن أراد التراجع.

يتبع، جزء آخر حول كيفية التعامل مع الطفل المراهق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

متميزًا
عرض التعليقات
تحميل المزيد