ربما لا أجيد مهارة الاستهلال، فلا أستطيع إيقاع عقول القراء في مصيدة كلماتي، ولا أجيد مهارة رسم الكلمات بصورة تلقى في نفس أحدهم قبولاً أو طيب أثر، فكما لا أجيد رسم الألواح؛ فإني لا أجيد رسم الحروف رسمًا احترافيًا، ولا أملك القدرة على التأثير في جمع هم أعلى وأعلم مني، ولكن كل هذا لا يتعارض مع اقتناعي الكامل فيما أكتب، فما يخرج من القلب لا يصل إلا إلى القلب، فإذا ما بلغ الحديث القلب تدخل حينها العقل؛ ليردف لمسته في الحكم على كلمي، ولكن بعدما تأثر بعاطفة بثها فيه القلب.

لعلنا نجد أحدهم يمني نفسه في أن يقنع الآخر بشراء شيء، وربما يحاول أن يقنع فتاة تقدم لخطبتها بأن تقبل به زوجًا، الأسلوب هو وحده من يستطيع القيام بكل هذه العمليات؛ فهو أفضل وسائل الإقناع، على كل، لكل باب مفتاح، ولكل شخص مفتاح لباب قلبه، لكن قلما نجد اتفاقًا بين كل الأرواح في مفاتيح أبوابهم بغض النظر عن اقتصار مفاتيح حديثنا عن باب القلب، والقلة لا تعني الامتناع، فثمة مفتاح لكل أبوب قلوب البشر، ألا وهو «الأسلوب».

ومن المثال يتضح المقال: كان هناك رجل يسمى «الدارمي» يبيع الخُمُر «جمع خمار» في المدينة المنورة، وكان هذا الرجل متدينًا وجميل الشكل، وأثناء تجارته باع جميع ألوان الخمر، إلا أنه لم يوفق في بيع خمار واحد من اللون الأسود، فحزن حزنًا شديدًا، إذ إنه عد هذه بضاعة كاسدة، وأنها ستعود على تجارته بالخسارة، فرآه أحد الشعراء فسأله ما بالك حزينًا، فشرح قصته أن بيعه لم يربح منه بسبب عدم بيع الخمر السود، فقال له سأعطيك هذه الأبيات وانشد بها في السوق، وسترى ما يحدث، وكانت الأبيات على النحو التالي:

قل للمليحة في الخمار الأسود ** ماذا صنعت بزاهد مـتعبد

قد كان شمر للصلاة ثيابه ** حتى وقفت له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه ** لا تقتيله بحق دين محمد

فأنشدها فسمعها الرجال وأخبروا نساءهم في البيوت بتلك الأغنية التي تردد، فتعجب النساء أن العابد قد فتن بالمرأة ذات الخمار الأسود، لشدة تأثير الخمار الأسود؛ فبيعت جميع تلك الخمر، فلما تيقن «الدارمي» أن جميع الخمر السوداء قد نفدت من عند صديقه، ترك الغناء ورجع إلى زهده وتنسكه ولزم المسجد.

كنت في حديث مع أحد الأصدقاء، وفتح باب النقاش حول الأسلوب وتأثيره على القلوب، فقال: كنت كلما ذهبت إلى الصلاة وجدت جاري يقوم بأعمال النجارة، والمسافة بينه وبين المسجد تكاد تكون صفرًا، ولا يذهب إلى تأدية الصلاة، كنت أحاول أن ألفت انتباهه إلى الصلاة بطريقة لا تؤذي مشاعره، ولا تجعل قلبه ينفر عن الصلاة، فما وجدت غير طريقة واحده وهي أن أسأله إذا كانت الصلاة قد أقيمت أم لا، ظل الوضع أسبوعًا أسأله في كل صلاة «السلام عليكم، هل قامت الصلاة؟» حتى رأيته في صلاة الجمعة، ومنذ ذلك الوقت لم تفارق قدمه المسجد.

ولنا في رسول الله أسوة حسنة دائمًا وأبدًا، ومن حياته تعلمنا الحياة، كيف نعيشها وكيف نقضي سويعاتها، فحينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاب من أهل قريش فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا؟ فأقبل عليه القوم فزجروه، فقال: «ادنه»، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس. قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». وما زال النبي يسأل والشاب يجيب: لا والله جعلني الله فداءك، فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.

رجاء، حينما تبغضون شخصًا لا تقولوا له أكرهك! جرب أن تقول ما عدت أحبك، حاول أن تسر غيرك بكلمات اللطف لتلقى اللطف منهم، لا تكونوا غلاظ القلوب، في قوله تعالى مخاطبًا نبيه وحبيبه صلوات الله عليه «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك»؛ فيقولها الله تعالى صريحة لرسوله، لا تكن فظًا غليظ القلب حتى تلقى القبول بين أهل الأرض، ومن ذا الذي لا يحب الحسن من القول والجميل من الفعل؟!

فالإسلام انتشر بسماحته، وانتشر بلين معاملة الرسول للناس، فلولا حسن أسلوبه لانفض القوم عنه، ولا يضرك يا عزيزي إن لقيت سوءًا منهم، حتى لو كنت لين الكلم خفيف الظل، فبالرغم من أن الله قال في كتابه العزيز عن رسوله الكريم «وإنك لعلى خلق عظيم»، فلم يسلم من قول قريش البذيء فيه وعنه، فلا أن ترضي الجميع، فالجميع لم ولن يرضى إلا إذا أصبحت راضخًا، ولتعلم أن القلوب لن تلقى إحسانًا إلا بمقدار الإحسان الذي تنفقه، فعلى قدر الإنفاق تحصى الثمار.

فنحن بني الإنسان خلقنا بإحسان وعلى إحسان، والإنسان لا يميل إلا لما ينضح به، فمهما كنا خبثاء، مهما اجتمع فينا كل مكروه من الصفات، يبقى الإحسان لقلوبنا بالأسلوب هو مفتاح العودة وربما البقاء، لذلك نميل إلى الإحسان لأننا خلقنا منه، فأحسنوا إلى قلوبنا مهما رأيتم من السوء، صبوا الإحسان في قلوبنا لترقى، أحسنوا إلينا أعز الله مقامكم.

ولنا في سيرة الرسول وأصحابه قصص ما انفك عنها جمال الأسلوب وروعة الكلام، فقد سئل العباس بن المطلب -رضي الله عنه-: من أكبر أنت أم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟  فقال العباس: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد