تحدثت في الجزء السابق من كيف تصنع عدوك عن أربع خطوات:

1. من ليس معك فهو ضدك.

2. اتهم كل من ينصحك بالجهل وعدم المعرفة.

3. اتهم كل من ينتقدك بالمشاركة في مؤامرة تريد تدميرك.

4. حَوِّل كل نقد موجه إليك إلى مسألة شخصية، وابحث عما يقدح في الناقد.

وفي هذا الجزء نُكمل باقي النقاط العشرة:

5. لا تناقش أي نقد وإنما اتجه للبحث المباشر عن التبرير لإثبات خطأ النقد الموجه لك

البعض ينطلق من تعصبه لفكرة، أو جماعة، أو فرد، أو حزب، أو دولة، أو جنس، أو… فيكون موقفه المبدئي هو رفض النقد أولًا؛ لأنه يسبغ على ما تعصب إليه صفات الكمال، ويخشى أن يُظهِر شيئًا من عيوبه حتى لا تهتز صورته، فيلجأ مباشرة إلى الرفض والنفي، والتعليل والتبرير، ولو كان غير منطقي أو واقعي، فإن كنت حريصًا على تقليل الأعداء من حولك فتجنب التبرير التلقائي، بل استمع جيدًا وبعناية لكل ناقد، فأنت وحدك المستفيد، فقد يُبَصِّرُك بما لم تكن تُبصِر. أما إذا كنت من هُواة صناعة الأعداء، ومن هُواة الفشل، فهذه الخطوة تناسبك تمامًا لتبقى بثوب ناصع البياض لا يراه غيرك، ولن تعدم حجة فتبريرك مبدع، وبذلك تدفع كل صديق مختلف عنك، أو معترض على بعض فِعلك، ليثبت موقعه في الصفوف الخلفية لأعدائك بسهولة ويُسر.

6. ابتعد عمن يخالفك في التصورات مهما اتفق معك في الغايات

الإقصاء والجفاء طريقك لراحة البال، وتخدير الرجال، فإن كنت قائدًا ولك أتباع فاحرص على عزلهم التام في الحجر الفكري عن كل ما يخالفك في الرأي، حتى وإن كان من أشقائك ومدرستك ومذهبك الفكري، باختصار (الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح)، لماذا تتعب نفسك في السماع لوجهات نظر متباينة تستلزم الجهد، والتفكير، والتدقيق، والمقارنة، والنقد لمعرفة صوابها من خطئها؟!
فمن البداية حين تلحظ مخالفًا ضع حوله دائرة حمراء، ولافتة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب أو التسميع، في هذه الحالة تبقى في مأمن واطمئنان، فإن كنت حريصًا فتقرَّب من المخالفين، وحاوِل أن تتفهم سبب اختلافهم، لربما وجدتَ كنزًا مدفونًا تحت ركام الاختلافات، أما إذا كنت من هُواة صناعة الأعداء فهذه الخطوة تناسبك تمامًا لتبقى صافي البال، بعيدًا عن كل صديق مختلف عنك، أو معترض عليك، وبهذا تقطع خط الاتصال بينك وبينه ليثبت موقعه في صفوف أعدائك.

7. ابذل جهدك في تشويه من غرد خارج سربك قبل أن يستمع إليه أحد حتى لا يتفلت السرب من يديك

الحجر والمنع والانغلاق صفات سائدة في كل تجمع استبدادي، فالمستبد سواء أكان سياسيًّا أم دينيًّا يحرص على انحباس أتباعه على كلماته وحده، أو مَنْ يغنّي أغنيته نفسها؛ لذا نجد المستبد يسعى إلى تشويه المخالف وشيطنته؛ حتى لا يستمع إليه أحد، مهما بلغ هذا المخالف من القرب، أو الانتماء، أو الحرص فلن ينجو من سيف التشويه، كذلك فعلت قريش مع خير الأنبياء، وكذلك طبائع الاستبداد على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو القبيلة، أو الجماعة، أو الدولة، فإن كنت حريصًا لا تقُم بتشويه المخالفين، فسنة التدافع تمنحك الحركة والحياة، وتضمن لك استقامة المسير، وتجنب الميل والانحراف، أما إذا كنت من هُواة صناعة الأعداء فهذه الخطوة قد تساعدك في الحفاظ على أتباعك في قالب حديدي، إلا أنها تمنح مخالفك سببًا وجيهًا لمزيد من المخالفة والمفاصلة معك، فأنت المعتدي وعلى المعتدي تدور الدوائر.

8. الأصل أن كل ناقد مغرض ودسيسة ما لم يثبت العكس (ولن يثبت العكس إلا بسكوته أو موافقته لك)

النقد هو النقد، ويعني تمييز الخبيث من الجيد، وغالبًا ما نخصصه بذكر مثالب الأشياء أو الأعمال، ونية الناقد وهدفه محلها القلب، ولا يعلمها إلا الله سبحانه، والعقلاء فقط هم مَنْ يرون أن كل نقدٍ مفيد، بغض النظر عن مصدره أو نية قائله، بينما الحمقى والمتكبرون يتململون ويحاولون غلق هذا الباب بكل السبل. فإن كنت حريصًا فاستمع لكل نقد مهما كان لاذعًا، أو منافيًا للحق، وإن كنتَ ساعيًا للتفوق فلا تترك هذا النقد دون تدبر وبحث عما يوصلك لمبتغاك، أما إذا كنت من هُواة صناعة الأعداء ومن هُواة الفشل فهذه الخطوة تناسبك تمامًا لتمنع نفسك أو أتباعك من سماع نقد قد يؤلمك، وبهذا تتغير طبيعة العلاقة بينك، وبين ناقدك من التنافُع إلى التعادي، فتعامله بعدائية فيقابلك بموقعه الجديد في قلب صفوف أعدائك بسهولة ويُسر.

9. تحدث دائمًا عن أهمية التناصح والرأي والرأي الآخر ثم أغلق أذنيك

عاب القرآن الكريم على بني إسرائيل «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم». البقرة: 44 وأكد أنها من الممقوتات الكبار عند الله عز وجل «كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون». الصف: 3 والتناصح والشورى وحرية التعبير والكلمة هي فرائض إسلامية ليست نوافل أو فَضْلة، فإذا كنتَ من القادة ولك أتباع تنصحهم وترشدهم وتحدثهم عن أن الدين النصيحة، فانتبه لنفسك وتحسس موضع قدمك؛ حتى لا تفقد ثقتهم بعدم سماعك لهم، وإن كنتَ بين الأقرباء والأخلاء فاحذر أن تحول بعضهم أعداءً بعدم الإنصات لنصحهم وتدبره.

10. كُن مستعدًا بقناصة قادرين على الاغتيال المعنوي لمن يقترب من حماك لتبقى دائمًا يدك نظيفة من الدماء وأنت تصافح ضحاياك

بعد أن أصبحتَ صانعًا بارعًا للأعداء باتباعك ما سبق من الخطوات، ستبقى أمامك خطوة أمنية مهمة، خصوصًا إن كنتَ قائدًا وحولك أتباع بعضهم يختلفون معك وينتقدون سياستك، فما أنت بقادرٍ على إظهار عداوتك لهم فهم جزء من جماعتك وأهلك وذويك، ولا أنت بقادرٍ على تحمل ألسنتهم أو مقارعة حججهم، وفي نفس الوقت تحتاج لعزلهم، وتشويههم، وغلق أفواههم، وتحذير الباقين منهم، فما العمل؟

الحل يكمن في بعض مقربيك ومحاربيك الأشداء يتولون عنك كل ما تريد وزيادة، فقط عليك أن تقربهم وتمدهم بمداد تأييدك المعنوي، وافتح لهم الباب والمنابر، وانتظر النتائج المرضية، فلن يعدموا حججًا باليةً للدفاع عنك، وتشويه مخالفيك، وشخصنة كل نقد، وتبرير كل خطأ، وبيان مشاركة المخالفين في المؤامرة الكونية التي تستهدف إفشالك والقضاء عليك.

بهذا كله تنمو صناعتك وتزدهر؛ فأنت الآن تعرف جيدًا كيف تصنع عدوك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد