من وصية الإمام علي بن أبي طالب لولده الحسن عليهما السلام قال ((يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ …))، إذ نجد في مقدمة هذه الوصية توجيهه عليه السلام لولده بأن يجعل من نفسه ميزانًا فيما بينه وبين غيره، وسنقف على أبعاد هذه الكلمة ذات المعاني العميقة.

«وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ» (٣ المطففين)

إن من أصعب المهام التي على الفرد أن يتمرس عليها وأن يوليها اهتمامًا بالغًا هي مراعاة حقوق الآخرين وعدم التعدي عليها، وفي هذه الآية المباركة تبيان لحالة من حالات سلب الآخرين عن طريق تقليل الكيل والميزان في عملية غش تجارية أثناء ممارسة البيع والشراء، ولكن ما يشير إليه الإمام علي عليه السلام في وصيته ليس معنيًا بالجوانب المادية بل يتحدث عن الجانب المعنوي في تحويل النفس إلى ميزان يحاول من خلاله أن يتزن في تصرفاته مع الآخرين بما يجعل من كيله لهم كيلًا منصفًا لا غش فيه ولا دلس.

ولكن في هذه الوصية نجد عبارة «يا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ»، إذ يأمر الإمام علي ابنه أن يجعل من نفسه ميزانًا وبعد ذلك يكون هو بشخصه في كفة وغيره في الكفة الأخرى، وهذا يدل على أن أساس التصحيح هو في السيطرة على النفس الفاجرة وتحويلها الى نفس تقية، ولكن من يستطيع ذلك وكيف له أن يقاوم نفسه الأمارة بالسوء وما هي الأساليب والخطوات لإنجاح ذلك؟

الخطوة الأولى

من أجل أن تستطيع النجاح في جعل نفسك ميزانًا عادلًا منصفًا بينك وبين غيرك لا بد أن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك، فأنت تحب أن تُمتدح فلا تحرم الآخرين من المديح، وأنت تحب أن تُشكر فقدم الشكر للآخرين، وأنت تُحب أن تنال رزقك دون إهانة ومَنّ فأعطي الآخرين أجورهم من غير أذى أو مَنّ عليهم، هكذا ببساطة أحبب لهم ما تحب لنفسك من غير أي تعقيد، وبذلك ستحقق انتصارك الأول.

الخطوة الثانية

وهنا وبعد أن أحببت لغيرك ما أحببته لنفسك عليك أن تكره لغيرك ما تكره لنفسك، فأنت تكره أن يسب أحدهم أمك فلا تسب أمهات الآخرين، وأنت تكره أن يهان أبوك الكبير في السن فلا تهن آباء الآخرين، وأنت تكره من يخالف أحدهم أنظمة المرور فلا تخالفها أنت. وهذه المرحلة أصعب من المرحلة الأولى فالحب أحيانًا يسيطر عليك ولكن الكره لا يسيطر عليك بسهولة وخاصة لمن يظن كثيرًا ويشكك في نوايا الآخرين ويحقد عليهم ويضع نفسه في موقف المبرر لأفعاله، فيسلب حقوق إخوته وأهله ويتحجج بأنه يحافظ على ثروتهم من الضياع لأنه يراهم سفهاء، ومن أجل النجاة لمن لديه هذه الأفكار فعليه اللجوء إلى الخطوة التالية.

الخطوة الثالثة

ألا تظلم الآخرين كما أنك لا تحب أن تكون مظلومًا، فأنت إن حرمت من التعلم فستشعر بالظلم فلا تحرم ابنتك منه فتظلمها وتبخسها حقها، وأنت إن علمت بأن الناس رسموا عنك صورةً خاطئة وظنوا بك ما ليس فيك وشعرت بالظلم والهضم فلا ترسم لغيرك صورة من الظنون، وبعد الابتعاد عن ظلم الآخرين عليك أن تحسن لهم كما تحب أن يحسن إليك، فتقدم يد العون والمساعدة لمن يحتاجها، وتتواضع دون عجب وخيلاء، وأن تبتسم للناس فالابتسامة والكلمة الطيبة من الصدقات والصدقات من وجوه الإحسان.

«وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» (8 الاعراف)

قبل أن نرحل ونوضع في ميزان الله تعالى علينا أن نراجع أنفسنا في علاقاتنا مع الناس، وأن نحاول أن نصحح ما أفسدناه من قبل أن نجد أنفسنا في مواجهة أفعالنا من غير جواب مقنع أو دليل قاطع أو برهان مبين، وبعد ذلك علينا أن نوفي الناس من كيلنا الذي كلناه في حياتنا فإن فرغت كفتنا فكيف لنا أن نرضي الناس عنا، لذلك لنحاول أن نقلل من ذلك الانحراف في ميزاننا فيما بيننا وبين الناس وأن نجعل كلتا الكفتين متساويتين قدر المستطاع.
والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد