من المظاهر السلوكية البشعة على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي والتي تنتشر انتشار النار في الهشيم جعل صور بعض الناس الذين يعانون من مشاكل خلقية أو صحية أو متلازمات معينة مادة للسخرية والاستهزاء والضحك! اشتهر هذا الأمر في الآونة الأخيرة عن طريق استخدام صور لبعض الأشخاص للتعليق على مواقف أو طرائف أو أحداث دون أدنى شعور بخجل أو حياء أو مراعاة لحالتهم، حتى أن أحد هؤلاء الأشخاص الذين استخدمت صورهم بكثرة أوشك على الانتحار كما قال هو بنفسه في مقابلة أجرتها معه إحدى القنوات الفضائية! تخيل الحالة النفسية التي وصل إليها هذا الإنسان والتي أفقدته أي رغبة في الحياة وهذا كله بسبب عقليات مريضة كل همها أن توظف مآسي الناس من أجل سخرية رخيصة.

لا أدري كيف يتجرأ إنسان على محاولة رسم البسمة على وجوه الآخرين مستخدمًا مآسي وأوجاع غيره؟ ولا أستوعب كيف يكون خلق الله المكرم والمنعم وسيلة لإضحاك الناس! (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) أجزم أن معظمنا قرأ هذه الآية مرات عديدة، ولكن هل وعى من قرأها معناها ودلالاتها؟ وهل حاول أن يعود نفسه على العمل بمقتضياتها وأن يمنع نفسه من أن يكون أداة لنشر وترويج هذه الجريمة الأخلاقية؟ هل يعلم الذي يروج لهذه الصور من باب الفكاهة وطلبًا للسخرية أن الذي خلق هؤلاء الناس هو الله البارئ المصور الذي (يصوركم في الأرحام كيف يشاء) ؟ أي أن المستهزئ – سواء كان يقصد أو لا يقصد- إنما يسخر في حقيقته من الصانع لأن المصنوع لا يد له في شكله وهيئته وتفاصيل خلقته! حينما تعيب سلعة أو جهازًا فكأنما تعيب من صنعها وأنتجها! هل يعي هؤلاء الناشرون والمروجون لصور أصحاب الابتلاءات أو حتى ذوي الاحتياجات الخاصة كمية الأذى والضرر النفسي والعذاب الداخلي الذي سببوه لهؤلاء الناس؟

مهما كانت الصورة التي عليها الإنسان فهي من صنع الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم. هيئة الإنسان وصورته ومظهره كلها إطار خارجي لا تغني عن جوهره شيئًا، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مقياسًا للحكم على هذا الإنسان سلبًا أو إيجابًا! الله الذي خلق الناس كيف يشاء يحاسبهم تبعًا لأعمالهم وما في قلوبهم ولا ينظر بأي حال إلى صورهم وأشكالهم فلماذا نصر على استخدام ما خلق الله كأداة للسخرية؟ كلنا معرضون للأمراض والحوادث والابتلاءات التي يمكن أن تغير في شكلنا الخارجي فلماذا لا نعتبر ونتعظ؟

الخلل في التنشئة وضعف الوازع الديني وقلة الوعي واستفحال الجهل واضطراب المفاهيم كلها أسباب تقف وراء هذه الظاهرة المزعجة والتي تؤشر على نقص في منسوب الإنسانية والضمير والدين لدى من يستمر في ممارسة هذا السلوك البائس. يعلمنا ديننا الحنيف أن نحمد الله على العافية حينما نرى إنسانًا مبتلى ويعلمنا أن ندعو لكل مبتلى في جسده وخلقته بالشفاء وأن نحسن معاملته لا أن نسخر منه أو نجعله مادة للفكاهة والضحك. لا شك أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لكثير من تصرفاتنا وبحاجة لأن ننقي بعض المفاهيم مما علق بها من شوائب وكدر، السرور والفرح الذي تدخله على قلب أخيك من أحب الأعمال إلى الله ولكن ضمن ضوابط واضحة وطرق سليمة ودون التسبب بالأذية والضرر للآخرين، فالغاية هنا تقتضي أن تكون الوسيلة سليمة خصوصًا حين يتعلق الأمر بمشاعر الناس.

روي عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله أنه قال: «ليكُن حظُّ المؤمن منك ثلاث خصالٍ حتى تكون من المحسنين: أولها: أنك إن لم تَنْفعه فلا تضرَّه، والثانية: إن لم تسرَّه فلا تغمَّه، والثالثة: إن لم تمدَحْه فلا تذمَّه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد