في العصر الجاهلي كان من المُتعارف عليه أن يصنع الأشخاص آلهتهم، ثم يعبدونها ويتقربون إليها بالقرابين، وبعد انتشار الإسلام والتوحيد ولّى وانقضى هذا الأمر، على الأقل بالنسبة إلى العرب، وأصبح يحدث في نطاق ضيق، وتوالت السنون والقرون وأصبحنا في عام 2018 وما زالت هناك عبادات وضعية، وعبادة أوثان وأبقار، ولكنها تحدث في نطاق محدود جدًا، وبمناطق محددة.

وقد ظهر لدينا في هذه الفترة نوع جديد من التقديس ومن العبادة، ليس كالسابق ذكره في ظاهره، وقد يكون كذلك في جوهره؛ هذا النوع من التقديس والعبادة والتَّأليه هو عبادة الأشخاص!

لم أقل هذا الكلام من وَحِيّ خيالي، ولا من موقف واحد حتى قد حدث لي أو أمامي، وإنما هذه الكلمات هي عُصارة دسمة لمواقف ومناقشات حية على أرض الواقع، أو على مواقع التواصل الاجتماعي قد رأيتها وعايشتها، وكنت طرفًا بها أحيانًا.

ممنوع الانتقاد أو التعقيب!

قد تُلاحظ أن تردي أي شيء في أي مكان سببه الرئيسي هو غياب حركة النقد؛ ففي مصر مثلًا: تدهور الحياة الثقافية سببه غياب النقد الأدبي، وانتهاء عهد المعارك الأدبية، وانحدار الحياة العلمية سببه أن لا وجود لنظريات علمية مُغايرة وناقدة النظريات الأخرى الظاهرة -هذا إن كانت هناك نظريات ظاهرة أصلًا- حتى الكوميديا أصبحت سَمِجَّة لغياب نقد الجماهير لها، تلك الجماهير التي تضحك على أي شيء يؤديه هؤلاء الذين يشبهون قرود السيرك، فإن قام أحدهم بالتلوي، أو التمطي، أو حتى مجرد الصراخ وإطلاق أصوات تشبه أصوات القرود والحمير لضحك له الجماهير حتى تدمع أعينهم؛ لأنهم اعتادوا على ذلك، واعتادوا أن هؤلاء دائمًا يُخرِجون أعمالًا تُميت من الضحك! قد قاموا بتعليق لافتة «ممنوع الانتقاد أو التعقيب»، وطعنوا أنفسَهم بأنفسِهم مُستخدمين سكين العادة والرتابة، وللأسف لم يصبحوا على ما فعلوا نادمين!

مما لفت نظري في الآونة الأخيرة؛ ميل كثير من الأشخاص إلى تقديس شخص بعينه وتأليهه! نعم؛ هم يميلون لجعله إلهًا، وإن لم يعترفوا بهذا بالمعنى الظاهري، يقول هذا الشخص ما يقول فتظهر جماهيره أو بالأحرى «دراويشه» ويبدون إعجابهم الشديد بما قال، ويصدرون أصوات تهليل وتصفيق تشبه أصوات ثُغَاءُ الأغنام! هُم تمامًا كما المجاذيب الذي يطوفون حول ضريح الإفك، ليس لدىّ مشكلة في أن أتقبل آراء الآخرين، ولا أمانع في تشجيع أي شخص، ولكن أن يحدث هذا -التشجيع- لمن يستحق فقط، أن يصفق لهذا الشخص لأنه قد قام بعمل رائع ومجهودات عظيمة، وليس التصفيق لمجرد التصفيق!

هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا.. أو هذا ما وجدنا عليه أنفسنا!

يجد المرء نفسه ذات مرة مُعجبًا بشخصٍ معين، من حيث الشكل، أو طريقة التفكير، أو أي شيء كان فيُسلِم زمام أمره لنفسه التي تهوى أن تهوي في قاع بئر الخطيئة الذي لا آخر له، فيبدأ في قبول أي شيء يقوله هذا الشخص، وكأنه وحيٌ من السماء، ويرفض ترك هذا الأمر والقبول بعكسه إن تبيّن خطأه، أو حتى القبول بمجرد الشك في صحته؛ لأن هذا ما وجد عليه نفسه!

فتجد على سبيل المثال: قارئًا متعصبًا تعصبًا أعمىً لكاتب يُحبه، ولا يقبل أن ينتقد كتاباته ناقد ولا قارئ ولا أي شخص في هذا العالم، ويزيد الطين بلّة أنه يبدأ في رمي الاهتمامات والسُباب لكل شخص يرى غير ما يرى هو في هذا الشأن، فتجده يقول مثلًا: «أي أحمق هذا الذي يظن نفسه قارئًا وهو لم يقرأ بعد لفُلان»، أو يقول: «من يرى أن كتابات فُلان سيئة فهو أحمق لا يفهم شيئًا»، ناهيك عن المُشادات العنيفة التي قد تحدث لأن أحدًا فقط قد تجرأ على انتقاد هذا الكاتب صاحب القلم ذي الكمال، والأمثلة على ذلك لا حصر لها، وحالات تقديس الأفراد تتفاقم وتتزايد، وما زالت المجاذيب تأبى تصديق خلو ضريحهم من أي وَلِيٍّ أو قديس، وأنهم هُم مَن صنعوه بجهلهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, فكر, مجتمع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!