«في الماضي كانت البطولات تتمثل في جرأة فرد، لا في ثورة شعب، وفي قوة رجل لا في تكاتف مجتمع، فلم تكن حوادثها تاريخًا بل كانت قصصًا ممتعة، ولم تكن صيحاتها صيحات شعب بأكمله وإنما كانت مناجاة ضمير لصاحبه، لا يصل صداه إلى الضمائر الأخرى، فيوقظها من نومها العميق». شروط النهضة ــــــ مالك بن نبي.

يظن البعض أن صناعة التاريخ تأتي من خلال «ضربة معلم» أو «خبطة حظ» أو حتى «بالبركة» و«بالدعاء على الأعداء» فقط لا حسب، أو أنها «مهنة»، يمكن لمن شاء أن يتعلمها.

إن صناعة التاريخ وثبات نفوس وإبداع عقول، قادرة على القفز فوق عقبات الجغرافيا المحدودة بالزمان والمكان، وصولًا إلى آفاق التاريخ المفتوحة.

صناعة التاريخ فن لا يطاوع إلا من تجرد من مخاوفه وأهوائه وحساباته الضيقة وتفكيره المحدود. هؤلاء الذين يحفرون أسماءهم في التاريخ حيث يفنى بلايين البشر ويبقى هؤلاء علامات مضيئة تهتدي بها البشرية وتعرف من خلالها جذورها فتصنع حاضرها وتخطط لمستقبلها، لا سيما في مجال الرقي الإنساني وتحقيق غاية البشر في الوجود.

فبإمكان الكثيرين أن يثيروا الزوابع ويملؤوا الدنيا ضجيجًا وصخبًا وأن يشغلوا الناس بأقوالهم وأفعالهم، لكنهم بهذا لا يصنعون تاريخًا حقيقيًا!

الحشاشون فرقة أرعبت الناس في عصورهم، والخوارج حفلت بهم صفحات الكتب، والمعتزلة شغلوا الناس بفلسفاتهم وأفكارهم، والمغول دخلوا التاريخ من باب وحشي دموي، وخلفاء وسلاطين وملوك ورؤساء سُطِّرت أسماؤهم في سجلات مذهبة، لكنهم مضوا دون إنجاز يذكر، حتى هتلر المهزوم شارك أيضًا في صناعة التاريخ، هل يمكن تجاهل أنه أعاد رسم خريطة العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، صحيح أنه خسر هذه الحرب، لكن العالم ظل يعيش في تداعيات هذه الحرب طوال ما يزيد على خمسة وأربعين عامًا.

هناك من دخلوا التاريخ وخلفوا وراءهم مآسيَ وكوارثَ، هناك من صنعوا أزمات وحروبًا وكراهية. لقد كتب التاريخ عن ستالين وهتلر وموسوليني ورومل وشاوشيسكو وهيلاسلاسي، كما كتب عن غاندي ومانديلا وعمر المختار والخطابي وأمين الحسيني وحسن البنا.

فكما الفرق بين الثرى والثريا! هؤلاء الذين يحفرون أسماءهم في التاريخ حيث يفنى بلايين البشر ويبقى هؤلاء علامات مضيئة تهتدي بها البشرية وتعرف من خلالها جذورها فتصنع حاضرها وتخطط لمستقبلها، لا سيما في مجال الرقي الإنساني وتحقيق غاية البشر في الوجود.

فرق بين أن تدخل التاريخ وبين أن تصنع الإنجاز، فصناعة الإنجاز معناها أن تصنع أحداثًا تؤتي نتاجًا مباركًا في تحقيق أهداف الأمة، معناها أن تبني وتعمر وتغير وتقدم للشعوب والأمم نموذجًا طيبًا في شتى مناحي الحياة، معناها أن تترجم كل شعاراتك وبرامجك إلى حقائق ونتائج ملموسة.

فليس كل من دخل التاريخ صنعه وليس كل من رسم اسمه في الكتب أو الصحف والإعلام ترك أثرًا طيبًا أو ذكرى جميلة.

يقول مالك بن نبي:

«إن صنع التاريخ يبدأ من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى الكلمة، والواجبات الخاصة بكل يوم، بكل ساعة، بكل لحظة، لا في معناها المعقد كما يعقده أولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء وشعارات كاذبة يعطلون بها التاريخ بدعوى أنهم ينتظرون المعجزات والساعات الخطيرة».

ومن هنا يتبين لنا أن كل لحظة يبذل فيها الفرد واجبه تجاه وطنه فإنه يسهم في صناعة هذا الإنجاز، والإنسان الفعال هو الذي يستعمل الوسائل المتاحة له، ويبتكر ويبدع وسائل جديدة  ويستخرج أقصى ما يمكن أن يستخرج منها من النتائج التي تحقق الأهداف المطلوبة.

هذا ما يجب أن يعيه شباب هذه الأمة وكل حاملي لواء الإصلاح والتغيير، إن صناعة الإنجاز هو المطلوب وليس صناعة التاريخ.

فالتاريخ يذكر المطالب الستة الشهيرة لثورة 23 يوليو وتوقف ولم يذكر ما تم إنجازه منها!

التاريخ يذكر هتافات الثوار في ثورة 25 يناير «عيش حرية عدالة اجتماعية» وتوقف القلم ولم يكمل الكتابة والتدوين!

فليس المطلوب أن نقرأ في كتب التاريخ صفحات عن أحداث وسجالات، ولكن المهم أن يذكر التاريخ لأبنائنا إنجازات على أرض الواقع يراها بعينه ويلمس آثارها ونتائجها على واقعه ومستقبله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد