لا حديث في منظومتنا التربوية اليوم الا عن مشكل لغة التدريس.

المضحك المبكي في الأمر أن المعظم يظنون أنه بتدريس العلوم بالفرنسية فإن المغرب سيصبح بلدًا متقدمًا يضاهي الدول الغربية في التكنولوجيا والاقتصاد! متناسين أن هناك دولًا تتبنى اللغتين الإنجليزية والفرنسية وبهما يدرس أبناؤهم، ومع ذلك فإنهم من أشد دول العالم تخلفًا، كغانا وغينيا والكامرون وليبيريا ومالي والنيجر…

بل إن المغرب عندما كان التعليم فيه مرتكزًا على الفرنسية بعد الاستقلال كانت النتائج كارثية عليه، ففي بداية الثمانينيات كان الوضع مخيفًا لدرجة أن المغرب كان على شفا حفرة من المجاعة والانهيار الاقتصادي التام وكان قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة العسكرية والانسحاب من الصحراء، وهو ما أقر به الملك الراحل الحسن الثاني عندما قال بأننا قد وصلنا إلى مرحلة الغيبوبة، ولولا المساعدات العربية الضخمة التي تقاطرت على المغرب والتي فاقت 10 مليارات دولار في عقد الثمانينيات لوحده (وبأرقام اليوم فهو ربما يتراوح بين 30 و40 مليار دولار) أقول لولا المساعدات العربية لكان مصيرنا مصير إثيوبيا والصومال، فبماذا أفادتنا اللغة الفرنسية آنذاك؟

تغيير اللغات لن يغير من الأمر شيئًا. فكيف لمن لم يتقن العلوم بلغته أن يتقنها بلغة لا يعرف إلا مبادئها. المشكل ليس في الأساتذة فأغلبهم درس في الجامعة بالفرنسية وسيكون أكثر راحة إذا درس بها. لكن الكارثة ستقع على التلميذ. كملاحظة فقط، الإنجليزية غير مقترحة أصلًا هو فقط مجرد ذر للرماد في العيون لإسكات الأصوات الغاضبة.

كونوا أكيدين سنرجع لنقطة الصفر بعد تضييع أجيال بهذه اللغة الفاشلة، أعرف أن الأمر لا يهمكم فأغلبكم ليس له أطفال وإن كانوا فسيهاجر بهم لبلد أحلامه طبعًا.

لماذا لا يتم الاستغناء نهائيًا عن الفرنسية وتعويضها بالعربية، وتكون الإنجليزية اللغة الٲجنبية الٲولى بحيث يتم تدريسها من الابتدائي حتى الثانوية، وعند ولوج التعليم العالي يجتاز الطلبة الجدد امتحانًا في اللغة الإنجليزية لكي يتم قبولهم في الشعبة التي يريدون متابعة الدراسة فيها. ٲما البحوث والٲطروحات فتحرر بالعربية مع ملخص للبحث ٲو الٲطروحة باللغة الإنجليزية كما تفعل كثير من الدول من بينها اليابان. وبالتالي سنكون قد حافظنا على هويتنا ولغتنا بتبني العربية لغة للتدريس بكل مراحله، وربحنا طلبة يتقنون الإنجليزية لكي يسهل عليهم التوسع في معارفهم ويتسنى لبعضهم ٲيضًا ترجمة الكتب، كل حسب تخصصه من الإنجليزية (وما ٲكثرها) إلى العربية.

العربية ليست عاجزة عن مواكبة التطور، يكفي فقط إعطاؤها فرصة كاملة (ٲي تعريب التعليم الٲساسي وحتى الجامعي) وليس فرصة ناقصة (تعريب التعليم الٲساسي وفرنسة التعليم الجامعي). طبعا هذا الكلام لن يعجب الشعوبيين الجدد، الذين لا شغل لهم ولا مشغلة غير مهاجمة وورشق ونفث سم الحقد على العروبة عن طريق الكذب وتزوير الحقائق والتناقض مع النفس.

المشكل ليس في اللغة بل المشكل في حالة اليأس وانسداد الأفق في بلدنا الحبيب هو الذي أدى إلى عدم اهتمام الشباب بالدراسة خصوصًا بعد أن عجزت الحكومات المتعاقبة عن خلق سوق شغل للخريجين ولو بشهادات وكفاءات عالية.

عندما نجد مهندسين وأطباء يهاجرون إلى أوروبا للبحث عن ظروف عمل تحفظ لهم كرامتهم كيف يكون انعكاس ذلك على المتمدرسين. عندما نجد متخرجين بشهادات عليا معطلين في اعتصامات دائمة وفي إضرابات يتعرضون للضرب والاعتقال لأنهم يطالبون بفرصة عمل. عندما يتفشى اليأس في أنفس التلاميذ والطلبة وينسد الأفق ويتأكدون أنهم وإن حصلوا على عمل في بلدهم فإن هذا العمل لن يوفر لهم العيش الكريم.

لهاذا لن ينصلح حال التعليم إلا إذا رأى المغاربة أن هناك أملًا في بلدهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد