ما زالت صورة الأخ الكريم محمد عبد الحفيظ وهو مقيد اليدين منقول عبر طائرته إلى حيث الطغاة تمزق القلب وتدمع العين وتذكر الواحد بما وصلنا إليه من شتات، فكان سؤال يطرح:

مادا يفعل هؤلاء المطاردون التاركون لأوطانهم باحثين عن أمن وأمان عن حياة كريمة وما يحدث من تعثر أمنى ومالي واجتماعي … إلخ

فجر كل هذا لديّ فكرة صناعه الوطن، لماذا لا نتكاتف في صناعه وطن جديد أينما كنا؟! بدلًا من بكائية لا فائدة منها، ومن تفرق لا يأتي بخير بل الشر كله.

بالطبع، لا أصطدم بحب الوطن وفطريته بداخلنا، وما أيد ذلك من تراث إسلامي طويل، قال الله عز وجل: «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَاركُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُمْ» سورة النساء : 66، وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح: عن عبد الله بن عدي بن حراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا جبال مكة فقال: «إنكِ لخيرُ أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت»، قال الإمام العيني: ابتلى الله نبيه بفراق الوطن.

المدينة عندما دخلها سيد البشر صلى الله عليه وسلم كان أول ما أراد أن يصنع فيها وطنًا جديدًا، أن يتجاوز كل عقبة أمام ذلك، يعلم كيف هو حال المسافر من ألم نفسى وضيق مالى ولهذا كان الجهد الجهيد في سبيل وطنه الجديد لن يصلح شقاق وفكر أحادي بل الجماعة والصف الواحد.

حب المكان

بالطبع المفارق لوطنه يشعر بألم الفراق، وهذا ما حدث مع الصديق وأول مؤذن في الاسلام رضى الله عنهما، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلاَلُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ: أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ؟ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ؟ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ».

التأقلم والتخفيف واللقاء الأخوي ودوام الدعاء.

«إيه اللي جابه؟»

فمن أراد أن يصنع وطنًا لا ينطق بمثل هذا، فما سمعنا أحدًا من الأنصار نطق بها ولا بعشرها، بل كانت حفاوة الاستقبال والحب والترحاب هي اللغة السائدة فعلًا لا قولًا، روحًا تتحرك بهم، حب الأضياف الجدد.

«وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» سورة الحشر: 9

وإليكم نماذج من عمل لا من قول فقد أتعبتنا الأقوال التي لا يأتي بعدها عمل:

قام الأنصار بعرض نخيلهم على النبي صلى الله عليه وسلم ليقسم الثمر بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، ويقومون هم بالعمل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله. ما رأينا قومًا أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل، من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ (كفونا العمل وأشركونا في الثمر). رواه الترمذي وصححه الألباني.

ما ضاقت أنفس الأنصار بإخوانهم المهاجريين، بل العمل والبناء وصناعة الوطن الجديد، كم آلمنى ما أسمعه من أفواه بعض من كنت أراه على الطريق، يا سادة أليست الأرزاق بيدى من خلق فلم الضيق والتبرم بقدوم غارق مطارد.

وحتى نكمل الصورة كان حفظ المهاجرين لإخوانهم الأنصار فعلهم ومواقفهم الرفيعة في الكرم والإيثار، وقالوا: «يا رسول الله ما رأينا قوما أَبْذَلَ من كثير ولا أحسن مُوَاسَاةً من قلِيلٍ من قومٍ نزلنا بين أَظْهُرِهِمْ لقد كَفَوْنَا الْمُؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خِفْنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ما دعوتم الله لهم وَأَثْنَيْتُمْ عليهم» رواه الترمذي وصححه الألباني.

«مفيش مفيش»

وصناع الوطن الجديد يتآزرون سويًا كما هو حال المهاجرين الأول، في هجرة الصحابة رضوان الله عليهم كنا أننا أمام طبقتين: المهاجرون وهم لا يملكون شيئًا والأنصار وهم يملكون كل شيء، فكيف الطريق يا خير الورى؟! وهو ما نعرفه جميعًا ونتباعد عنه في حياتنا.

آخى بين طبقتي المجتمع، فاتخذ كل مهاجر أخًا أنصاريًا له وتقاسما بينهما ما يملكه الثاني، ومثال ذلك أن الحبيب صلى الله عليه وسلم آخى بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبدالرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم مالي إلى نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك، فسمّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها، قال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو. صحيح البخاري.

بل نسمع من يقول منهم -رضِي الله عنهم-: يا نبيَّ الله، إن شِئت فخُذ منازلنا، فشكَر الرسول لهم قولهم.

«مش معانا»

وهذه كارثة الكوارث أن نغيث من نعرف وأما غيره فلا، ولا أعرف من تراثنا الإسلامي ما يقول بذلك، فإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج مبادئ إسلامية ثابتة، ويمتدح النبي صلى الله عليه وسلم بإغاثته للملهوف لغير المسلمين: «لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتُكسب المعدوم، وتُعطي السائل، وتمنح المحروم، وتعين على نوائب الدَّهْر»، ومن إغاثته للملهوفين وقوفه مع المظلوم يوم حلف الفضول، وقال: «من سرَّه أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فلييسر على معسر، أو ليضع عنه» ومجيبًا على سؤال: «يا نبي الله! فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف».

يا سادة في صناعة الوطن نكون صفًا واحدًا هذا إذا أردنا أن يكون لنا وطن.

لطيفة

وقبل الوداع أذكر نفسي وحضراتكم بالمعنى الحقيقي للوطن، ما قاله صاحب كتاب «دليل الفالحين»: الوطن الحقيقي هو الدار الآخرة، التي لا نهاية لآخرها بإرادة الله تعالى وقدرته، كما جاء في الحديث: «يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد