«إن هؤلاء الذين يحسبون أنهم يرفعون أنفسهم حين يخفضون في وهمهم إلههم أو ينكرونه إنما هم المحدودون الذين لا يستطيعون أن يروا إلا الأفق الواطئ القريب!»

«مشكلة السلام» في واقعنا المعاصر باتت محل اجتهاد المثقفين والمصلحين حديثًا، كل يسعى لحلول لها.. لكن كان للاستاذ الأديب سيد قطب _ رحمه الله _ رأي مغاير لهذه الاجتهادات، أو بالأحرى نظرة كلية لحل هذه المشكلة، هذه النظرة استنبطها من شريعة الإسلام وعلومها. فما هو الحل من وجهة نظر الأديب؟

توحيد الإله

يبدأ الاستاذ سيد قطب _ رحمه الله _ في حلوله لمشكلة السلام ببيان حقيقة أصليه تقوم عليها كل الحقائق الأخرى، هذا الحقيقة هي أن السبب في إيجاد هذا العالم هو «الله» وحده. وفي يد هذا الإله الواحد ملك كل شيء وبيده حق التوجيه، وبذلك ينفى عن الحياة ضلال الغاية «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)»، «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ»، «أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ»؟

توحيد الإنسان

يقصد بتوحيد الإنسان أن أفراد هذا الإنسان موحدون في أصلهم متساوون في نسبتهم، فكلهم من نفس واحدة وكلهم لآدم وآدم من تراب، وبفقه ذلك تزال كل أنواع النزاع العنصرية والجنسية «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»، «كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ».

رسالة واحدة

إلى هذه البشرية أرسل الله الواحد رسالة واحدة لها، تعددت صورها، ولكنها في أُسسها ومبادئها واحدة، المؤمنون بها أمة واحدة، وبذلك يزال أسباب النزاع الدينية بين المؤمنين في الأرض «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، «وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ».

إن الإنسان المذبذب ضميره المضطرب قلبه لا يمكنه أن يكون وسيلة إيجابية لتحقيقة السلام في الأرض، فهو لم يقدر على تحقيق السلام داخله أولًا ليحققه عند غيره.. لذلك كان التوجيه الإسلامي للفرد إلى الإيمان الذي لا يخالطه ريب.. إن وجود هذا الإيمان في قلب الإنسان لهو مدعاة لسلامة الضمير الذي من خلاله تتحقق قدرة الفرد على إيجاد السلام وتحقيقه في بيته ثانيًا، ثم بعد ذلك في المجتمع.

ثم من خلال السلام الواقع في المجتمع الجزئي يكون السلام العالمي المنشود بين البشرية جمعاء.

السلام الواحد

يقول: «إنما يجعل الإسلام السلام كله وحدة، ويحاول تحقيقه في كل حقل، ويربط بينه وبين النظرة الكلية للكون والحياة والإنسان. وبذلك تصبح كلمة «السلام» التي يعنيها الإسلام ذات دلالة أعمق وأشمل من معناه الذي تتعارف عليه الدول في هذا الأيام. فهو السلام الذي يحقق كلمة الله في الأرض من الحرية والعدل والأمن لجميع الناس، لا مجرد الكف عن الحرب بأي ثمن، مهما يقع في الأرض من ظلم ومن فساد! ومهما يكن في الأرض من طاغوت واعتداء على سلطان الله وألوهية الله»!

سلام القول

إن للكلمة الطيبة دورًا هامًا في تعزيز السلام بين البشر، وهذا ما أكد عليه الاستاذ سيد حيث يقول عن الإسلام: «يدعو إلى إشاعة الكلمة الطيبة بين الناس.. وإلى إفشاء السلام في كل مكان ولكل إنسان.. وهو يدعو إلى الصفح عن الإساءة وضبط النفس عند الغضب «وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»، «وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا».

لكن هناك سؤال مهم يطرحه الأديب _ رحمه الله _ من وجهة نظره الكلية الشاملة، وهو: أليست مصلحة البشر هي التي يجب أن تصوغ واقعهم؟

ثم يُحاول الأستاذ _ رحمه الله _ أن يُجيب على هذا السؤال فيقول: إن مصلحة البشر متضمنة في شرع الله، كما أنزله الله، وكما بلغه عنه رسول الله… فإذا بدا للبشر ذات يوم أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم، فهم… أولًا: «واهمون» فيما بدا لهم. «إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى».
يُـحاول الشهيد _ رحمه الله _ أن يبين تعلق الامور بأسبابها الأول، وما دام أن الخالق عز وجل هو واهب الحياة وخالق الإنسان فهو أجدر أن يُـتبع إذ إن البشر لا يُــدركون الحقائق الكلية التي يقوم عليها نظام الكون «أأنتم أعلم أم الله»؟ «والله يعلم وأنتم لا تعلمون»!
«ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير».

فالذي يعلم – والذي يخلق ويرزق كذلك – هو الذي يحكم… ودينه الذي هو منهجه للحياة، هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة… أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف، وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا!

وخلاصة هذه النظرة: إن سيد قطب _ رحمه الله _ ينظر للحياة نظرة المُــتكلم الذي يُــرجع الفروع للأصول.. وهو هنا قد أرجع الحياة كلها بما فيها لله عز وجل الذي أوجدها ورسم الطريق للإنسان فيها.

فالله عز وجل هو الخالق
والخالق أعلم بمخلوقاته
_____________________
فالله عز وجل أعلم بمخلوقاته

هذه القضية العقلية المُــثبتة أصل فكر سيد قطب رحمه الله؛ فما دام الإنسان مخلوقًا وله توجيه من خالقه فلا يحق له أن يخالف الخالق، حيثُ إن سعادته وسلامه في الحياة متوقف على اتباع منهج الله الذي رسمه لعباده في الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلام, تحقيق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد