السلطان الكبير جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه، ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن جغري بك بن سلجوف بن دقاق، تولى الحكم بعد وفاة أبيه السلطان ألب أرسلان في عام 465 هجريًّا بناء على وصية أبيه، وتولى الوزير نظام الملك وأمر بأخذ البيعة له، ثم أقره الخليفة العباسي القائم بأمر الله على السلطنة.

تعاون ألب أرسلان والوزير معًا على تهيئة ملكشاه لتولي عرش السلطنة السلجوقية من خلال إنزاله الميادين، وإشراكه في القتال حتى تمرن على الحرب، وعرف خططها وخدعها، وتعلم أيضًا أصول الحكم، وتدبير شئون الرعايا.

كان ملكشاه عندما تولى السلطنة يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، ولعب النظام دورًا كبيرًا في تنصيب السلطان الجديد، كما لعب دورًا بارزًا أيضًا في إرساء دعائم الدولة وانتصاراتها الحربية والعقائدية على الباطنية والفلاسفة.

وقد أثبت النظام الجديد مقدرة وكفاءة كبيرتين في الحرب، إذ كان الموجه لسياسة الدولة سواء في عهد طغرل بك، أو ألب أرسلان أو ملكشاه.

بعدما استتب الأمر للسلطان الجديد ملكشاه، خرج عليه أعضاء أسرته مطالبين بالسلطنة، وكان على رأسهم وأشدهم بأسًا عمه قاروت أو «قاورد» في بعض الروايات، ملك كرمان، ولذا استمال عمه قواد الجيش والجنود وزود رواتبهم وحسن حالتهم، فقامت مظاهرات تطالب بتنصيب قاروت على السلطنة، وكتب الأخير يقول لملكشاه «إني أحق منك بالعرش لأني الأخ الأكبر للسلطان الراحل وأنت أصغر أبنائه».

سير قاروت جيشًا إلى الري، وأدرك النظام خطورة الأمر وشدته فأسرع بالجيش نحو الري حتى وصلها قبل وصول الجيش الآخر، فالتقوا بالقرب من همذان فانهزم جيش قاروت وجيء به أسيرًا، وحبس ثم قتل في محبسه بتدبير من الوزير فيما بعد، وبذلك خمدت ثورة الجند الذين كانوا يناصرون قاروت في مشروعه بسبب إغداق الأموال الكثيرة عليهم. بعد ذلك خرج على ملكشاه أخوه تكش، والتقيا بجيشيهما بترمذ في نيسابور لكنهما اصطلحا.

قام ملكشاه بزيارات عدة للسلطنة لتفقد الرعية والوقوف على احتياجاتهم بنفسه، بنى المخافر في السبل، وهذا ساهم في انتشار الأمن من حدود الصين إلى البحر المتوسط، ومن جورجيا إلى اليمن جنوبًا.

سار السلطان ملكشاه إلى حلب وقضى على بعض أمرائها، وأمّن الطرقات وبنى القناطر، وعمّر البنايات، وأسقط المكوس والضرائب، وحفر الأنهار، وبنى مدرسة أبي حنيفة والسوق والجامع في بغداد.

كان ملكشاه عونًا للمظلومين يرد إليهم مظالمهم المسلوبة منهم، من ذلك أن فلاحًا أخبره أن غلمانًا أخذوا حمل بطيخ هو رأس ماله، فقال السلطان «اليوم أرد عليك حملك»، ثم قال لمن حوله «أريد أن تأتوني بالبطيخ، فتشوا»، فإذا به في خيمة الحاجب، فحملوه إليه فاستدعى الحاجب وقال: «من أين لك هذا البطيخ؟ قال: «جاء به الغلمان»، فقال «أحضرهم»، ثم أعاد إلى الفلاح حقه، واستفدى الحاجب نفسه منه بـ 300 دينار.

سعى ملكشاه إلى توسيع مملكته وتكملة ما بدأه والده، فقد وصل إلى بيت المقدس في عهد أبيه عام 463 هجريًّا الموافق 1070 ميلاديًّا، وضم معظم بلاد الشام.

ثم أرسل جيشًا إلى مصر، فتوغل في أراضيها حتى بلغ القاهرة وحاصرها، بيد أنه لم يستطع فتحها نظرًا لاستماتة الفاطميين في الذود عنها، ومن ثم ارتد إلى الشام وصرف تفكيره عن غزو مصر مرة أخرى.

أسند إلى أخيه تاج الدين تتش البلاد التي فتحت في الشام، وفوضه في فتح ما يستطيع من البلاد المجاورة، ففتح دمشق دون قتال بعدما تخلص من حاكمها اتسز الخوارزمي وأخيه جاولي، وأسس تتش لنفسه ولأسرته حكمًا فيها، وأصبح يسيطر على الأقاليم الوسطى من بلاد الشام وجاهد لبسط سلطانه على جميع بلاد الشام وخاصة المناطق الساحلية، التي كانت تحت إمرة الفاطميين، وإنشاء دولة أخرى للسلاجقة في الشام بعيدًا عن السلاجقة العظام الأم في خراسان وفارس.

قام ملكشاه بتعيين سليمان بن قتلمش على البلاد التي فتحها السلاجقة في آسيا الصغرى، وظلت دولة سلاجقة الروم تحكم لأطول فترة أكثر من الدولة الأم حتى عام 700 هجريًّا- 1300 ميلاديًّا، وفي عام 477 هجريًّا- 1084 ميلاديًّا نجح سليمان في فتح أنطاكية، ثم قتل في معركة بينه وبين تتش للتنازع على حلب، أو قيل إنه قتل نفسه بسكين لما انهزم جيشه.

أحس ملكشاه بما حدث في هذه الأجزاء من دولة السلاجقة، ففضل أن يطمئن على استتباب الأمور فتوجه في عام 479 هجريًّا- 1086 ميلاديًّا من أصفهان إلى بلاد الجزيرة والشام عن طريق الموصل وأخضع ما صادفه في طريقه من قلاع كانت ما تزال تحت سيطرة الروم مثل الرها، ولما اقترب من حلب أخلاها تتش ورحل إلى دمشق فدخل ملشكاه المدينة وطمأن أهلها، ثم رحل إلى بغداد وأقر حكم تتش على بلاد الشام كما أقر أبناء سليمان بن قتلمش على بلاد الروم.

بعد إقرار الأمن وبسط النفوذ في الجزء الغربي من الدولة رحل ملكشاه إلى بغداد، ووطد علاقته بالخلافة العباسية بعدما تزوج الخليفة المقتدي بأمر الله ابنة السلطان السلجوقي في عام 480هجريًّا- 1087ميلاديًّا، الأمر الذي أدى إلى ازدياد نفوذ السلاجقة ومزيد من الاستقرار في جميع المناطق التي تحت أيديهم، وأصبحت قوتهم أكبر قوة في الشرق الإسلامي في ذلك الوقت. لكن ساءت العلاقة بين الطرفين فيما بعد بسبب ولاية العهد، وسنتطرق إليها في المقال القادم إن شاء الله.

ولم يبق أمام ملكشاه إلا أن يخضع إقليم ما وراء النهر حتى يثأر لأبيه، وانتهز السلطان السلجوقي الفرصة حينما شكا له علماء ما وراء النهر من ظلم أميرها أحمد خان إذ كان صبيًّا ظالمّا، قبيح السيرة، فنفر الناس منه، وكتبوا إلى ملكشاه سرًّا يستغيثون به ويسألونه أن يحكم بلادهم. على إثر ذلك غادر أصفهان برفقة وزيره نظام الملك وتوجه إلى خراسان، حيث أعد جيشًا كبيرًا ثم عبر نهر جيجون وهاجم بلاد ما وراء النهر وفتح بخارى وسمرقند وقبض على أحمد خان، وبسط ملكشاه نفوذ السلاجقة على هذا الإقليم، وانضوت تحت لوائه أقاليم ما وراء النهر، وإيران، وآسيا الصغرى، والعراق والشام.

ظهرت فرق الإسماعيلية في إيران في عام 483 هجريًّا- 1090 ميلاديًّا، والتي قتلت، على الأرجح، نظام الملك الذي جاء على رغبة ملكشاه في التخلص منه نتيجة لنفوذه ونفوذ عائلته في الدولة، ومنّه عليه أنه السبب في استتباب الأمور وتوسيع السلطنة، وكذلك الخلاف الذي كان بينه «نظام الملك» وبين زوجة ملكشاه تركان خاتون؛ لأنها كانت تريد ابنها محمود الذي كان عمره أربع سنوات وليًّا للعهد، بدلًا من أخيه الأكبر بركياروق لأنه من زوجة أخرى. بعد مقتل نظام الملك عُين إسحاق الشيرازي بدلًا منه.

من خلال هذا السرد التاريخي يتبين لنا أن السلطان ملكشاه كان يتمتع بنفوذ قوي، وعقلية فذة منذ أن اعتلى السلطنة وهو في الثامنة عشر من عمره، وتوسع ملكه بشكل كبير، حيث قيل إنه ملك ملكًا ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام بعد الخلفاء المتقدمين؛ جميع بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة، وباب الأبواب، والروم، وديار بكر، والجزيرة، والعراق والشام، وهذا يعني أنه كان مقدامًا، شجاعًا، منصورًا في الحرب، سياسيًّا، مخضرمًا.

كما أن تخويل الصلاحيات لنظام الملك يعني أن ملكشاه كان أيضًا رجل دولة يؤمن بوجود مؤسسات، لكن هذا لا يغفل دوره في زيادة تهميش الخليفة العباسي، إذ كان ملكشاه هو الآمر الناهي في السلطنة، ولا يملك الخليفة من أمره شيئًا، سوى الإقرار بقرارات السلطان السلجوقي. أضحت السلطنة في عهدة فتية قوية مترامية الأطراف حتى أصابها الوهن والتفكك بعد وفاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

عرض التعليقات
s