ملالا، تلك الفتاة الباكستانية المحظوظة، التي كلما نسيناها بُرهة من الزمن اصطدمنا مرة أخرى بصورها وأخبارها في الصحف والمواقع الإخبارية تذكرنا بها! ملالا، كانت على موعد مع الأقدار لتصير في العقد الثاني من عمرها واحدة من أشهر وأغنى فتيات العالم كله! ملالا، الفتاة التي حصلت على جائزة نوبل للسلام في عمر 17 سنة منذ 3 سنوات مضت، وألّفت كتابًا جنى ملايين الدولارات ليعيّنها اليوم «أنطونيو جوتيريس» الأمين العام للأمم المتحدة سفيرة للسلام ،بجوار أمثال ليوناردو ديكابريو، ومايكل دوجلاس، وتشارليز ثيرون، تلك القائمة الهوليودية الجبارة التي صارت ملالا تضاهيها، وتقف بجوارها كتفًا لكتف!

إنها يا سادة الفتاة العشرينية «ملالا يوسفزي»، ولكن ما قصة تلك الفتاة الباكستانية البسيطة التي غطت شهرتها الآفاق في المحافل الدولية بين يوم وليلة؟!

لنفهم ما جرى لبطلة مقالنا المولودة في عام 1997، لا بد أن نرجع إلى الوراء عشر سنوات كاملة، وبالتحديد إلى عام 2007، حين قاد زعماء طالبان باكستان تمردًا على الحكومة الباكستانية للسيطرة على إقليم «سوات»، الذي عاشت فيه بطلتنا المحظوظة، وفي سجال من الحرب بين الطرفين «معركة سوات الأولى» دام قريبًا من سنتين قررت الحكومة الباكستانية في فبراير من عام 2009 وقف إطلاق النار، ومنح طالبان الحق في إقامة الشريعة في إقليم «سوات»، وبعد ثلاثة أشهر من شهر العسل بين الطرفين، وبمزيج من نقض العهد الباكستاني والطمع الطالباني في مزيد من الأراضي الباكستانية اندلعت الحرب مرة أخرى «معركة سوات الثانية»؛ ليدحر الجيش الباكستاني قوات طالبان، ويستولي على إقليم سوات، ويعاد قريب من مليوني لاجئ إلى أراضيهم، وتعود ريمة لعادتها القديمة، ولكن طالبان كعادتها لن تهدأ وسوف تخرج من جحورها بين الحين والآخر لتنفذ هجماتها داخل الإقليم.

وذات صباح واعد بالحظّ لبطلتنا «ملالا» في عام 2012، كانت تركب حافلة مدرستها مع زميلاتها عائدات من مدرستهن ليوقف الحافلة مسلّح من طالبان، ويصوب مسدسه الأسود نحوها ويطلق الرصاص على ملالا وزميلاتها لتخترق رصاصة محجر عينها اليسرى، وتخرج من تحت كتفها الأيسر، ولتذهب رصاصتان أخريان إلى زميلتيها القاعدتين بجوارها، ربما أعاد ذلك المشهد العجيب ذكريات حكم طالبان للإقليم، حين أغلق المئات من مدارس الفتيات ليفسّر ذلك الموقف الذي حدث لملالا وزميلاتها، أيًّا كان السبب وأيًّا كانت المبررات فإن ذلك الحدث كان فاتحة السعد والحظ لبطلتنا!

فقد انتقلت لبريطانيا لتلقي العلاج، ثم حصلت على العديد من الجوائز التكريمية، ودعيت أيضًا إلى البيت الأبيض وقصر باكنغهام، كما ألقت كلمة في الأمم المتحدة! هل كل هذا يكفي؟ لا، لقد قررت ملالا أن تكتب مذكراتها، وتسميها «أنا ملالا»، نشر الكتاب في عام 2013، وبيع منه أكثر من 287 ألف نسخة في بريطانيا، بلغت قيمتها نحو 2.2 مليون جنيه إسترليني «ثلاثة ملايين دولار»، وأكثر من 1.8 مليون نسخة على مستوى العالم، سرعان ما أسست أسرتها شركة لحماية الحقوق الخاصة بقصة حياتها التي قدرت قيمتها في أغسطس/ آب عام 2015 بنحو 187 مليون جنيه إسترليني!

أصبحت ملالا في إغماضة عين مناضلة من أجل حقوق الفتيات، وتعليمهنّ لتنشئ صندوقًا لدعم مشروعات تعليم البنات في الدول النامية، ولكن سلسلة النجاح المتتالية لم تقف عند هذا الحد؛ إذ اختريت لتنال أرفع وسام عالمي وهو جائزة نوبل للسلام تقاسمًا مع الهندي «كايلاش ستيراثي»، لتصبح أصغر حاصلة في العالم على جائزة نوبل منذ تأسيسها بداية من أكثر من مائة سنة مضت، ولكن الشهرة وحدها لم تكن لتكفي لتدر وراءها الأموال المنهمرة، فقد أصبحت ملالا مطلوبة دوليًّا للتحدث، وتحصل على 152 ألف دولار عن الحديث الواحد متجاوزة «ديزموند توتو» الذي يحصل على 85 ألف دولار، وفقًا لبيانات معهد الدراسات السياسية في أمريكا.

لن تتعجب حين تقرأ في العام الماضي أن الفتاة ملالا انضمت إلى نادي المليونيرات في أقل من أربع سنوات، بفضل مبيعات كتابها وظهورها متحدثة في المحافل العالمية، ولن تتعجب كذلك حين تقرأ اليوم عن اختيارها سفيرة للسلام في الأمم المتحدة، ويقول لها الأمين العام «جوتيريس»: «أنت لست بطلة فحسب، لكنك أيضًا شخص رائع، ومليئة بالتواضع، فالناس عادة عندما يحصلون على جائزة نوبل يتملكهم غالبًا الغرور، إنني فخور بتعيينك أصغر رسول سلام للأمم المتحدة». ولكن سقف طموحات ملالا لم يقف عند هذا الحد حين سئلت عما إذا كانت تعتزم السير على خطى رئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة «بينظير بوتو»، وتتولى رئاسة الحكومة، فقالت: «إذا كان بوسعي أن أخدم بلادي عبر السياسة فسأقوم بالتأكيد بهذا الخيار».

إن حصول فتاة صغيرة لم تحصل على شهادتها الثانوية على كل هذا النجاح والشهرة والمال يدفعنا للتحليل والتعمق، فقد حدث كل هذا بفضل وقوعها ضحية صادفت هوى من المجتمع الدولي؛ ليبرز فظائع طالبان العدوة، صارفًا النظر عن فظائعه وجرائمه هو! فالضحايا من العرب والمسلمين يملؤون العالم، ولكنها فقط كانت من دونهم الضحية المرغوبة!

لا بأس في كل هذا، ولكن الجدير بالذكر أننا أمام ظاهرة حقيقية ماثلة أمام أعيننا، إنه النجاح بضربة حظ، كل منا يسعى إلى النجاح في حياته، وربما يلاقيه حظه وربما ينصرف عنه! حتى من يلاقي النجاح جزاء اجتهاده وكفاحه قد يلاقيه بعد سنوات طويلة من الجهد والبذل والعطاء، ولكن خارج هذا الإطار هناك أناس اصطفاهم الله ليسبغ عليهم نعمته بالنجاح والشهرة بلا عناء منهم، ولا سعي سوى أن الله فضلهم على عباده، هي لحظة فارقة في حياة هؤلاء الناس تنقلهم من السفح إلى القمة، من الفقر إلى الثراء، فما علينا نحن بنو آدم سوى أن نسعى لبلوغ المراد، حتى تأتينا ساعة الحظ السعيدة تلك، ولكن الأعجب من ذلك أن تتحول المحنة إلى منحة متمثلة في فتاة كانت بين الحياة، والموت لتخرج من المستشفى إلى عالم الأضواء والثروة، بلا ترتيب منها؛ لتنبهنا إلى قول الله تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد