ماليزيا دولة متميزة ومشهورة بين الدول الإسلامية، تمتاز بطقسها الاستوائي المتقلب، وطابعها الإسلامي الملتزم، ويظهر ذلك بوضوح في مختلف نواحي الحياة اليومية، حيث تنتشر المساجد والمدارس الدينيّة، ومعاهد تعليم اللغة العربية، ويكاد اللباس الإسلامي المحتشم يغدو زيًا تقليديًا ماليزيًا يميز أهلها بكل وضوح وافتخار، وفي نفس الوقت فإن أصحاب الديانات الأخرى يمارسون طقوسهم الدينية بكل يُسر وترحاب.

تتكون ماليزيا من أربع عشرة ولاية،ويبلغ عدد سكانها ما يقارب الثماني والعشرين مليون نسمة، تصل نسبة ذوي الأصول المالاوية بينهم إلى حوالي 57% من مجموع السكان، الماليزيون عمومًا معروفون بلطفهم ودماثتهم الشديدة، وهم على درجة عالية من الأخلاق والالتزام الديني والتعامل الطيب، لكنهم يفتقدون حس المبادرة بشكل كبير ويميلون للراحة والسكون، برغم ما لديهم من الشغف الشديد وحب الفضول والاستطلاع.

ويظهر جمال ماليزيا الحقيقي في التناغم بين العرقيات والثقافات والأديان التي تؤثر كل منهم في الأخرى، وتخلق بشكل متكامل ثقافة ماليزية شاملة، وهو العنوان الذي يردده الجمهور والسياسيون وتجده مكررًا في إعلاناتهم ووسائل إعلامهم، التي تحرص على إظهار ملامح الثقافات جميعها، وتقديم الاحترام المتبادل والاحتفال بالأعياد والمناسبات بشكل جمعي.

في تجربتي التي امتدت سنواتٍ طويلة بوصفي طالبًا فلسطينيًّا في الجامعات الماليزية، عشت بين جنباتهم ولامست طبائعهم الجميلة، وكثيرًا ما كانت تتكرر المواقف والأحداث، وإني لأكاد أجزم أنه لا يوجد طالب أجنبي إلا وقد عاش وصادف إحدى هذه التجارب معهم، ما أن تلتقي بأحد السكان الماليزيين وتختلط معه حتى تدرك الطابع العام لثقافته وحياته، والتي تتلخص بعدد من المحاور، وهي:

الطعام: وهو نقطة اتحاد الماليز الأساسية، عليه يجتمعون، ومنه ينطلقون إلى عملهم وبيوتهم ومواعيدهم، فالشعب الماليزي يحب الطعام لدرجة كبيرة وقد يصل عدد الوجبات اليومية التي يتناولها إلى خمس وجبات حيث يُعتبر الأرز المادة الغذائية الرئيسة للسكان، ومهما تنوّعت الأطباق فيجب أن يكون من ضمنها طبق الأرز، وغالبًا ما يتم تقديمه مقليًا أو مسلوقًا، وأول السؤال لديهم «هل تناولت طعامك؟» وإن كان قد انتبه إلى ملامحك العربية الشرقية فسوف يسألك «ما الطعام الماليزي الذي تفضله؟»، وما أن يدرك أنك فلسطيني حتى يبادرك القول بابتسامة واسعة «مقلوبة.. أنا أحب المقلوبة». طبعًا واللبيب من الإشارة يفهم.

الحديث واللغة: تعتبر اللغة المالاوية هي لغة الدولة الرسمية، وبعد ذلك تأتي اللغة الهندية والصينية، ولحب الماليزيين للقرآن الكريم فإنهم يتقربون لله بتعلم اللغة العربية، ويشعرون بالفخر الشديد حين تحمل أسماؤهم مدلولات عربية، أو يستطيعون التقاط بعض من كلامك العربي، وتجده يفتخر جدًا بأي كلمة عربية جديدة تضاف إلى قاموسه اللغوي ولكنه أحيانًا لا يحسن استخدامها فيرددون ما تعلموا أكثر من فهمهم للسياق الذي يستخدم فيه، فتجد الماليزي يسألك: «هل أنت متزوج؟».

– نعم.

فيقول: «سبحان الله.. أصحيح تزوجت؟».

وهل كنت تعتقد أن زواجي معجزة كونية!

أو أن تقول له توفي والد زميلنا وسيقام له عزاء اليوم، فيقول: «ما شاء الله».

(لا تنصدم إذا حدثت معك وتعامل مع الموقف بكل سلاسة).

وللماليزيين طرفٌ في اختيار الأسماء فهم يتقربون بكل ما ورد في القرآن الكريم حتى لو أنهم لا يعلمون معناه الحقيقي. فلا تتفاجأ إذا سمعت إحدى الطالبات تعرف نفسها بكل سعادة وتقول اسمي «خير الزانيات» دون أن تفهم الصدمة التي ارتسمت على وجهك! من الأسماء القرآنية الشائعة أيضًا «عين جارية»، «زين الرجال»، «خير الذاكرين».

الزواج: يسارع الماليزي بسؤالك هل أنت متزوج؟

أجيبه نعم.

يكرر سؤاله بطريقة أخرى: ألا تفكر بالزواج من ماليزية؟

أجيبه: لا هذا صعب.

فيسألني: لماذا الماليزيات جميلات ووو… إلخ.

مما يضطرني للخروج من هذا المأزق بالرد المتعارف عليه: «أن الاحتلال الصهيوني لا يسمح للزوجة الأجنبية بدخول فلسطين وأن هناك إجراءات صعبة تواجهنا بذلك. وأنا أخطط للعودة مباشرة بعد الدراسة ولا أريد الاستقرار هنا».

ويمثل الزواج ركيزة مجتمعية مهمة بالنسبة للشباب الماليزي، ورغم ارتفاع سن الزواج وازدياد معدلات العنوسة في السنوات الأخيرة، إلا أن التجربة الماليزية في الإعداد للزواج وتأهيل الشباب تُعد رائدة في العالم العربي والإسلامي، ورغم التمازج العرقي والإثني إلا أنه من النادر أن تجد زوجين ينتميان لعرقين مختلفين.

وفي نفس الوقت يُعد الزواج عبئًا مكلفًا بالنسبة للشباب، فهناك حفلة للحناء، وحفلة للمباركة، وحفلة للزواج، وهناك وليمة يوم العرس، ومن المعتاد أن يقوم العروسان بعمل جولة تصوير استعدادًا لحفل العرس، وكلها تعد من أعباء الزواج كونها مكلفة جدًا.

مظاهر الاحترام وتقبيل الأيدي: من أكثر التجارب المحرجة التي صادفتني في ماليزيا هي ثقافة تقبيل اليد من الصغير للكبير، من الطالب للأستاذ، من المصلي أو المريد للشيخ والإمام، ويعتبر الماليزيون أن العرب والفلسطينيين خاصة لهم مكانة من التقدير والاحترام، وقد اكتشفت هذه الميزة حين كنت أسير في الجامعة فصادفت زميلي الماليزي مع عائلته الصغيرة، التي سلمت عليها فهمَّ أطفاله بتقبيل يدي، فسحبتها مستغفرًا ومعتذرًا، فما كان منه إلا أن أوضح لي أن تقبيل اليد من أفعال الأدب واللباقة في تربية الأطفال، وهي تقدير للطرف الآخر وتكريم له.

الفضول الماليزي الأصيل: الماليزي بطبعه لديه نوع من الفضول تجاه الأجنبي الذي يعيش في محيطه، والمعلومة التي تقولها لأحدهم تنتشر بينهم بسرعة كبيرة، ومن بين الأسئلة الشائعة التي تواجهك في لحظات التعارف الأولى والتي تدور حول معيشتك ومخططاتك «من يقوم بإعالتك؟»، وهو سؤال بالنسبة لنا يعد غريبًا جدًا.

من أهم أسئلتهم أيضًا: «منذ متى وأنت هنا؟»، «هل أحببت ماليزيا؟»، «هل ستبقى هنا بعد التخرج؟»، «هل تذوقت الـnasiayam (طبق ماليزي)»؟، «أين تسكن حاليًا؟».

والفضول لديهم هو القاعدة وعدمه استثناء، وهو منتشر بينهم بشكل كبير، فقد تواجه بمثل هذه المواقف سواء بسيارة الأجرة أو رفيق القطار الذي لا تعلمه أو جارك الجديد.

العائلة الماليزية: برغم تأخر سن الزواج في ماليزيا عمومًا، إلا أن هناك ارتفاعًا في نسبة الإنجاب، فخلال أول خمس سنوات من الزواج تجد المرأة الماليزية أنجبت ثلاثة أطفال، وربما يكون الرابع على الطريق، وتعتبر العائلة أن كل فرد منها هو مصدر للعمل والنشاط، خاصةً مع انتشار أكشاك المأكولات، وبسطات إعداد الطعام وبيعه، وهي مهام تناسب أفراد العائلة ذوي السن الصغير الذين يساعدون آباءهم وأمهاتهم في إدارتها.

ومن أكثر ما يثير الغرابة في العائلة الماليزية هو تفضيلها للمولود الذكر على الأنثى بشكل واضح وصريح، ولا يألون جهدًا من إظهار استيائهم من المولود الأنثى ورغبتهم في الذكور، بل إنهم ما زالوا يعتبرون المرأة مسؤولة عن إنجاب الإناث دون الذكور.

وكثيرًا ما كنت أصادف أحدهم في المتنزه أو السوق، وحين يعلم أن لدي طفلين ذكرين فإنه يظهر الغبطة إلى جانب الإعجاب الكبير، كأن لي فضلًا فيما رُزقت!

وفي موقف محرج صادف صديقًا لي، له من الأطفال ثلاث فتيات جميلات، تعارف مع زميل ماليزي، ثم التقاه ذات يوم مع عائلته، فما أن أدرك الماليزي أن له ثلاث فتيات حتى عاجله بالقول مفتخرًا بفجاجة: «ولكن أنا لدي ثلاثة أبناء ذكور».

ويبدو أن ارتفاع نسبة التعليم، وانتشار دورات التوعية الدينية والشرعية، لم تقنع الماليزيين أن الأنثى قارورة عطر لأهلها، وعنوان كرمٍ ونبالة أصل لهم وفيهم، وأنه لا فرق بين المولود الذكر والأنثى فكلاهما نعمة من الله.

واليوم، وقد شارفت رحلتي في ماليزيا على نهايتها، تبقى هذه مجرد إضاءات على جزء بسيط مما عشته وعاشه كثير من الزملاء والوافدين إلى هذه البلاد الجميلة الطيب أهلها، العاصف هواؤها، والحار طعامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد