يُعد نظام الحكم في ماليزيا خليطًا بين العلمانية والدين؛ حيث مكنها من إدارة مجتمع متعدد الأعراق والديانات والمعتقدات، فنظام الحكم ملكي دستوري يتداول دوريًّا كل أربع سنوات على تسع ولايات بين تسعة سلاطين، فيعد الملك هو أعلى منصب ومن يمنح أعلى لقب الدولة حفاظًا على الرمزية القومية والهوية المالاوية. أما السلطة التنفيذية تتمثل برئاسة مجلس الوزراء فينتخب البرلمان كل خمسة أعوام رئيسًا للحكومة.

جلب الاحتلال البريطاني نهاية القرن الثامن عشر العمالة الصينية والهندية، وعمل على استقدامها إلى ماليزيا؛ مما أدى مع مرور الوقت إلى إحداث تغير في التركيبة العرقية الماليزية، كما أن التعدد الديني والعرقي جعل ساسة البلاد ينظرون إلى الحياة من زوايا مختلفة، وهو ما تطلب بالضرورة الاتجاه نحو العلمانية وعدم تبني شعارات دينية، كما رأى ذلك أول رئيس في الحكومة الماليزية، تانكو عبد الرحمن، أن النظام العلماني هو الحل لبلد متعدد الأديان والعرقيات، فيضمن الحقوق والحرية الدينية والفكرية والثقافية لكل فصائل المجتمع ومكوناته.

بدأت معالم الحضارة بعد استقلال ماليزيا من الاستعمار البريطاني بتعزيز التحالف الوطني الذي قادة الزعيم تانكو عبد الرحمن، حيث تعامل مع مواطنين العرقية الصينية والهندية بحكمة سياسية وعقل فطن؛ فدمج الطائفتين في الحياة الوطنية والسياسية، فقد ساعد ذلك في دفع عجلة الاستقرار وتعزيز الحركة الصناعية والتجارية لماليزيا الجديدة، فلم يكن لدى الماليزيين المهارة الكافية التي عززها الشركاء الصينيين في مجال الصناعة، وفتح آفاق الاستثمار واكتساب القدر الكافي من فنون ومهارات الصينيين والهنود، الذي أحدث نقلة نوعية في تاريخ ماليزيا بعد أن أصبحوا شركاء للتنمية.

في أوائل عهد حكم بطل الاستقلال الماليزي، تانكو عبد الرحمن، اصطدمت الحركات الإسلامية ببعض توجهاته العلمانية؛ مما أدى إلى إنهاء التحالف المشترك بين حزب باس (PAS) الإسلامي ومنظمة اتحاد الملايو، ومع مرور الزمن أدركت الحركات الإسلامية مدى الفارق بين الواقع وشعاراتها الدينية؛ مما أجبرها على إعادة النظر في رؤيتها للدولة الإسلامية ومفاهيم الحداثة والتنمية وآلية التعامل مع معطيات الحياة كما أن الحركات الإسلامية الناشئة المثأثرة بالمعتقدات الدعوية في المشرق العرب وأفكار الإمام حسن البناء كان لها وجود كبير في العمل الوطن والانخراط في عجلة التنمية الاقتصادية والسياسية على حد سواء. فقد أسهمت في إنشاء بنوك إسلامية، وشجعت على دعم الاستثمار وفتح مؤسسات لدعم ذوي الدخل المحدود والمكفوفين والمعاقين، وهذا ساهم بشكل كبير على صعيد الاقتصاد وتسريع عجلة التنمية، أيضًا اتخذ الإسلام السياسي موقفًا عقلانيًّا فيما يخص المرأة فقد منحها حق المشاركة في العمل السياسي والترشح للانتخابات والمشاركة في البرلمان وأصبحت المرأة الماليزية عنصرًا فعالً في أغلب جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية, بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا لا تستطيع الدولة الاستغناء عنه بعد أن شغلت نصف مناصب الدولة وأغلبها القطاع التعليمي.

وعلى عكس الإسلام السياسي في البلدان العربية لم يدخل في احتكاك وصراع مع القوى العلمانية أو الحداثية وغيرها، بل أدركوا أن اللحاق بركب الحضارة والتقدم الذي وصل إليه الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي الغربي، يكمن في عقد تحالفات بدلًا من خلق نزاعات، فكانت سياسة بناء تحالفات سياسية وحزبية وشراكات وطنية أولى من الانسياق في دوامة الصراعات والنزاعات مع أفكار الحداثيين وتلفيق التهم والمماحكات السياسية، بل ظل المعيار الأساسي لتشكيل الأحزاب هو التنافس السياسي والبرامج الانتخابية الوطنية.

يأتي زمن الداتو د. مهاتير محمد، ليبدأ عهد جديد لتاريخ ماليزيا، مثل مهاتير ورفاقة في اتحاد الملايو «أمنو» العمل الوطني برؤية علمانية وطنية تؤمن بالقيم والروح الإسلامية، وتكفل الحقوق لكل الديانات والمعتقدات، فيما كان الحزب الإسلامي بزعامة أنور إبراهيم، الحزب المنافس لاتحاد الملايو «أمنو». التقاء الضدين! ولكن النتيجة لم تكن كما هو الحال في بلداننا العربية، التقت الشخصيتان مهاتير محمد، وأنور إبراهيم لتشكيل تحالف وطني لمصلحة ماليزيا وانضم إبراهيم ورفاقة الى مهاتير، وبقي الحزب منفصلًا بطبيعته الدعوية. عزز التحالف العلماني الإسلامي حركة التنمية والحداثة نحو غد أجمل؛ فقد نجح هذا التحالف في بناء نهضة صناعية وبنية تحتية تعد الأجمل في دول اتحاد آسيا.

جرى تأكيد علمانية الدولة للعبور فوق مشكلات الاختلاف العرقي وضمان الحقوق الدينية والسياسية والاجتماعية لمختلف الطوائف. وبموحب هذا التأكيد ظلت التشريعات والقوانين الإسلامية مقتصرة على الأحوال الشخصية الذي تطبق على المسلمين فقط. وقد كفلت الحكومة حقوق التيارات الإسلامية التي ظهرت في الستينيات وفضلت انتهاج السبل السلمية والتعامل بأسلوب التعايش وتقبل الآخر، بعيدًا عن العنف والتعصب الحزبي أو الديني؛ فقد شاركت التيارات الإسلامية بشكل فعال في الحياة السياسية واستطاعت أن تسيطر على بعض الولايات، وأصبحت إدارة الملف الديني تلعب دورًا كبيرًا في طريق التنمية، ولم يكن عائقًا أمام عجلة التحديث؛ إذ تعد إدارة الملف الديني الماليزي نموذجًا ناجحٕا جمع بين القيم الإسلامية ومعطيات الحياة اليومية.

استطاعت ماليزيا أن تقدم نموذجًا ناجحًا من التعايش بين الطوائف والعرقيات الدينية التي تعيش في جميع ولاياتها، على الرغم من أن الدستور الماليزي اتسم بالغموض والضبابية، فلم يكن علمانيًّا بحتًا ولا إسلاميًّا خالصًا فالدستور الماليزي صيغ بوصفه دستورًا علمانيًّا لكنه راعى الأبعاد الدينية والثقافية للمجتمع؛ فقد ربط بين الدين والعرق ربطًا لا انفصام له، إذ لا يعد المرء ملايو إلا إذا كان مسلمًا، وإذا ارتد عن الإسلام لا يعد ملايو «الملايو هم ملاك الأرض الأصليون». فتجد الاحترام الكبير للشعائر الدينية وتقديسها خير تقديس من قبل المواطن الملايو والحكومة على حد سواء. فقضية لينا جوي الشهيرة التي حولت ديانتها من الإسلام إلى المسيحية، وطالبت بتعديل اسمها وديانتها في سجلاتها الرسمية وبطاقة هويتها، جر رفض طلبها رغم مطالبتها بذلك لمدة ست سنوات؛ فبعد أن رفضت المحكمة العليا طلبها ثار التساؤل في أوساط المجتمع غير المسلم عن الحق الدستوري الذي ينص على الحرية الدينية وفسرت السلطات المسؤولة أن المحاكم المدنية ليس من حقها التدخل في الشئون الإسلامية، وأن هذا من اختصاص المحاكم الإسلامية الشرعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد