الأفكار التي تستقَى من العقائد السماوية وتروى بدماء الشهداء لا تستحق منّا إلا اختيار أفضل طريقة ممكنة للتعبير عنها, طريقة نضمن بها البقاء الأزلي لهذه الفكرة, طريقة نتأكد من خلالها أن الفكرة ستكون بأمان من كل تشويه وتدنيس, وعن القضية الفلسطينية سأتحدث وتحديدًا الهبة الشعبية التي بدأت إرهاصاتها منذ تزايدت اقتحامات المسجد الأقصى من قبل قطعان المستوطنين.

 

 

 

 

إن التظاهر وحده لا يكفي, فواجبنا كشعوب عربية تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني وتؤمن في حقه الكامل في الأراضي الفلسطينية أن نحرض وننشر الأخبار على أوسع نطاق ونعمل بما في يدنا من المهارات والإمكانات لندعم هذه القضية العادلة, فإلى جانب التظاهرات والوقفات التي خرج فيها الشباب في بعض الدول العربية نحن بحاجة إلى تطوير الخطاب

 

 

 

 

 

وأركز هنا على الخطاب الفردي قبل الجماعي وخصوصا الخطاب في شبكات التواصل الاجتماعي والتي يعتبرها المحتل الإسرائيلي اليوم من أدوات التحريض والعنف التي تهدده كيانه!

 

 

 

سألقي الضوء على خطاب شهيد الكلمة العادلة واللهجة الواضحة المؤثرة والقوية: مالكوم إكس

 

 

 

لماذا خطاب مالكوم إكس تحديدًا؟

 

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر اسم مالكوم هو صفته التي لطالما التصقت به وبدأت تبرز ملامحها أكثر بعد خروجه من السجن والتحاقه بجماعة أمة الإسلام ألا وهي “اللهجة الحادة والتمكن من الخطابة”, لطالما عُرف مالكوم بأنه خطيب مفوه وقام بتمثيل الجماعة التي انتمى إليها لفترة كبيرة من عمره في مختلف الاجتماعات واللقاءات, ولطالما احتوى خطاب مالكوم ذلك المكون الاستثنائي الذي كان سببًا في التفاف الكثير من أعضاء الجماعة وأبنائها حوله حتى بعد أن تم طرده منها.

 

 

 

 

إن هذا المكون المميز هو ما يجب أن نسعى جاهدين لأن يكون جزءًا لا يتجزأ من خطاب التضامن الفلسطيني, فوقوفك مع الحق لن يكفي إن لم تكن مدركًا تمامًا للطريقة المناسبة لنصرة الحق.

 

 

 

 

 الخطاب الجليّ:

 

ما جعل مالكوم إكس يشكل تهديدًا للجماعة التي انفصل عنها وللحكومة الأمريكية في نفس الوقت، هو هذا الخطاب الواضح الموجه بكل عقلانية ومنطقية, خطاب خالٍ من الاستعطاف والتذلل “خطاب صاحب الحق” كما أحب أن اسميه, لطالما كرر توجهه إلى اللاعنف ورغبته في عدم الانخراط في أي نشاطات مسلحة بشرط!

 

 

 

 

 

“بشرط أن لا يتأذى ولا يضره أحد في ماله وبيته وأهله عندها سيضطر لاستخدام  أي وسيلة ضرورية للدفاع عن نفسه” وهذه كلماته التي ظل يكررها مذ عرفناه خطيبًا وممثلا لجماعة أمة الإسلام حتى آخر يوم في حياته وآخر وقفة له على المنصة, لقد كان صاحب حق ولا يتوانى عن تذكير من ينصتون له بذلك، واستخدم الخطاب العقلاني في إثبات وجهة نظره، ولفت أنظار المجتمع إلى قضيته

 

 

 

 

 

ونجح فعلا في استدراج مختلف الطبقات في المجتمع الأمريكي آنذاك، حتى أنه في أيامه الأخيرة تحلق حوله العادلون من البيض والسود المسلمين وغير المسلمين، وهذا هو ما جعله يشكل خطرًا حقيقيًا على الجماعة التي كان ينتمي إليها والسلطات في آن واحد.

 

 

 

 

متضامن ولكن:

 

في الجهة المقابلة للخطاب العقلاني المتزن الذي يذكر بأن قائله هو صاحب الحق, هناك الخطاب العاطفي, والذي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يفيد الفلسطينيين في معاناتهم, وذلك لسببين, الأول:

 

 

 

يكمن في قول الشاعر:

لا تشكو للناس جرحًا أنت صاحبهُ ** لا يُؤلمُ الجرح إلا من بهِ ألمُ

 

 

 

 

الثاني: هو ترفع الفلسطينيين عن الخطاب العاطفي رغم جراحهم وفقدهم ووجود كيان غاصب لأراضيهم؛ فتراهم يبدلون النواح بالزغاريد والرثاء بالثأر ما استطاعوا لذلك سبيلًا.. فمن باب أولى أن نتوقف نحن كمتضامنين عن هذا النوع من الخطاب الذي لا يقدم ولا يؤخر.

 

 

 

 

 

 

 

يقول نعوم تشومسكي: “إن استثارة العاطفة بدلًا من الفكر هي طريقة تقليدية تستخدم لتعطيل التحليل المنطقي وبالتالي الحس النقدي للأشخاص، كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور للاوعي حتى يتم زرع أفكار به, ورغبات ومخاوف ونزعات أو سلوكيات”.

 

 

 

ونحن في حقيقة الأمر لسنا بحاجة إلى تعطيل التحليل المنطقي أو التسلل إلى لا وعي البشر أفرادًا أو جماعات إذ أننا ندعم ونناصر أصحاب الحق في الأرض، ولسنا بحاجة إلى أكثر من تداول انتهاكات هذا الكيان الغاصب والتأكيد على أن المقاومة هي الحالة الطبيعية التي يجب أن تظل قائمة في ظل إضرار طرف بالآخر وتعديه على ممتلكاته وعرضه ونفسه.

 

 

 

 

 

بل إننا بهذا الخطاب العاطفي نخدم الطرف المعادي بدون أن نعلم وذلك بسماحنا للمعركة الإعلامية أن تتحول إلى معركة “الصورة الأكثر إيلامًا” و”مقطع الفيديو الأكثر تقطيعًا للقلب”!

 

 

 

 

 

والحقيقة أن هذا النوع من التعليقات التي يميل أصحابها إلى استدرار العطف ونشر الصور التي تُظهر الفلسطيني الأعزل والجندي المدجج بالسلاح في مواجهة غير عادلة, قد يسمح بمرور مغالطة منطقية تقول بأن “الخطأ فيما يحدث هو وجود جنود مسلحين بمواجهة أفراد عُزل” وهذه ليست الرسالة المطلوبة

 

 

 

 

بل الرسالة الأكثر وضوحًا والحقيقة التي لا اختلاف عليها هي أن الخطأ يكمن في وجود كيان غاصب من الأصل! سواء في ذلك المستوطن والمُجند.

 

 

 

التضامن كما يجب أن يكون:

 

 

 

 

وأخيرًا، يجب أن أؤكد على أن التضامن الحقيقي لكل الرابضين بعيدًا عن هذه الأرض المباركة والمسجد الأقصى سواء كانوا من أهلها أم لم يكونوا كذلك هو العمل على المستقبل القريب, فإنهم يرونه بعيدا ونراه قريبًا.

 

 

 

 

إن الطريق إلى التحرير سيمر لاشك بك أنت أيها القارئ المتألم لما يحدث في فلسطين, سيمر عبر حلمك وهدفك وعبر طموحك وإنجازاتك وما أنت فاعله في شبابك, وحتى ذلك الحين سنتأسى إن شاء الله بهذا المناضل الذي يقف ممسكًا حجرًا بإحدى يديه وكتابًا بالأخرى وصف حاله بعض النشطاء قائلًا “يدٌ تبني وأخرى تُقاوم”.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد