لا زلت أذكر حوار أحد الرموز الثورية المشهورة، كان الحديث يدور حول حدث ثوري هام أظهر الرجل من السطحية والسذاجة السياسية في التعاطي مع الحدث ما جعلني أتيقن أنه لا يمتلك من المؤهلات السياسية إلا أنه من مصابي الثورة!

تساءلت هل يعقل أن تنجح ثورة، أكبر مؤهلات رموزها ومنظريها ومن يوجهون الجماهير فيها تنحصر في الاعتقال المسبق أو الإصابة؟ من هنا بدأت أفكر، من الذي صنع هذه الرموز وأعطاهم هذه الشهرة؟ أهي القدرة والكفاءة أم هو بتخطيط ممن بيده خيوط اللعبة.

ثمة سؤال يحمل الإجابة في طياته وهو هل هذا التشابه الكبير بين الواقع المصري وبين ما تصدره مراكز أبحاث صنع القرار الأمريكية والغربية، من تقارير هو من قبيل المصادفة ؟! إن المطلع على ما يصدر من تقارير وما فيها من توصيات بشأن الرموز الشعبية، والكوادر الدينية، والسياسية، والإيديولوجيات، وما ينبغي للنظام أن يساعده ويسمح له بالظهور، وما ينبغي للنظام أن يمنعه، وما يجب استخدامه من وسائل لصنع ذلك، ستتكشف له بعض خبايا ما يحدث.

إن ما كان يميز الشباب أثناء يناير أنهم كانوا مهذبين، لا تسمع منهم ألفاظًـًا قبيحة، أو إيحاءات جنسية، أو انتشارًا للعادات السيئة كالتحرش مثلًا، وهذا ما افتقده الثوار قُبَيل 30 يونيو وبعدها، وكان الشباب على علم بوقاحة الأمن وجرائمه، لكنهم لم يجعلوا ذلك مبررًا لهم في استخدام الإيحاءات والألفاظ القبيحة، بل كان هذا دافعًا لهم للتمسك بالقيم والأخلاق التي يجب أن يكون عليها أهل الحق أمثالهم.

أحمد مالك: ممثل مشهور شارك في العديد من الأعمال، أختارُ من بينها  فيلم (الجزيرة 2) الذي وصفه بعضهم بأنه فيلم مخابراتي، وبالفعل فقد تناول الفيلم أحداثًا ثورية هامة بالتشويه والاختزال، وليس المراد هنا تناول الفيلم بالتحليل.

شادي حسين: شاب يعمل في برنامج (فاهيتا) وهو برنامج قد اعتبره بعضهم معارضًا، لكن بالنظر إلي مضمون البرنامج، ومن يستضيفهم، سيكون من المستحيل اعتباره برنامج معارضة على الإطلاق.

إن مضمون الفيديو غير الأخلاقي، وتاريخ أصحابه، ومشاركتهم في أعمال تشوه وعي الناس بالثورة، وتضخيم وسائل الإعلام، وإعطاء الأمر أكبر من حجمه، يُظهر كثيرًا من علامات الاستفهام، ويجعلنا نرفض مثل هذه الأعمال التي ينعدم فيها البعد الأخلاقي، ويكون في انتشارها آثار سلبية على المجتمع ككل، ثم هي من الناحية العملية ليس لها تأثير على أرض الواقع، إن الثورة تهدف في النهاية إلى تغيير شامل في المجتمع إلى الأفضل، وهدف عظيم كهذا لا ينبغي أن تكون وسائل تحقيقه مُعلمنة لا تلتزم بالقيم، ولا تحافظ على الحياء العام بل تقتله.

إن هذه الطريقة لصنع الرموز، وجعلهم قدوة للشباب، بدون أدوات علمية حقيقة وخبرة ثورية وسياسية تمكنهم من التعاطي مع الأحداث الكبيرة بحكمة وحنكة وذكاء، هي أشد ما أضر بالثورة، وما باسم يوسف منا ببعيد، ذاك الذي جعل الشبابُ منه الرمزَ والقدوة، حتى إذا جدَّ الجدُّ، خذلهم وسخر منهم لأنهم أعطوا البرنامج وصاحبه أكبر من حجمه، على حد قوله في آخر لقاء له، والأمثلة على خطر الرموز الوهمية على الثورة أكثر من أن تُحصى.

وأزيدكم من الشعر بيتًا، كيف لوزير سابق أفنى عمره في خدمة نظام ثار الناس عليه أن يكون رمزًا ثوريًا وعضوًا بجبهة تسمى الإنقاذ، ثم أتساءل أين شاعر العامية، ثم أين المناضل ومرشح الشباب الرئاسي، ثم أين جامع التوقيعات، كل هؤلاء وأكثر قد اعتبرهم الشباب رموزًا للثورة وحملوهم على أعناقهم يومًا ما، وقد اشتركوا جميعًا في الانحراف بالثورة عن مسارها الصحيح، وجعلوا من تصديقنا لهم أضحوكة سيذكرها التاريخ.

أما وقد مضى على يوم الثورة الأول خمسة أعوام، فإنه من العيب والسذاجة أننا ما زلنا نقع في الأخطاء نفسها للمرة المائة، يجب علينا أن نتعلم من أخطائنا السابقة، وألا نعطي أحدًا فوق قدره، كذا أمرنا ديننًا، وهذا ما يفرضه علينا التعلم من التاريخ واستقرأ أخطاء الماضي، لنتعلم منها لا لنكررها، حتى إذا أذن الله بهدم الظلم، وكان لنا شرف البناء من جديد، جاء البناء على أساس متين من علم وخلق ودين وقيم ومبادئ تحفظ للجميع حقه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد