حب القراءة في الطفولة استمر إلى الكهولة

كان مالك شغوفًا بالقراءة منذ ولوجه المدرسة الابتدائية الفرنسية بتبسة، يذهب كلما سنحت له الفرصة إلى مخزن (سي شريف) ،حيث ينكب على قراءة الورق المستعمل، وبعد نجاحه في شهادة الدروس الابتدائية، واجتيازه امتحان المنح انتقل إلى قسنطية للدراسة في المرحلة التكميلية وفيها قرأ كتب «جول فيرن» وبعضًا من روايات «الرداء والسيف».

ثم التحق بالمدرسة الثانوية بغية تحقيق إرادة أسرته في أن يكون عدلًا في الشرع الإسلامي، وفي هذه الفترة بدأ يتشكل فكر مالك حيث جمع بين المحتوى الديكارتي وتاريخ الأزمنة القديمة الذي تلقاه من الأساتذة الفرنسيين، ودروس النحو وأسس الثقافة العربية والشعر وتصاريف الأفعال والتوحيد والسيرة التي أخدها عن الشيوخ.

وقرأ لـ«لبيير لوتي» و«كلود فاير» وكان كتاب «الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق» لأحمد ضا و«رسالة التوحيد» لمحمد عبده بمثابة الينابيع المحددة لاتجاهه الفكري، حيث قال: (كانت هذه الكتب تصحح مزاجي، ذلك الحنين إلى الشرق تركه في نفسي كتب فارير ولوتي).

مالك يناقش زملاء الدراسة والبعثات التبشيرية

وكان في الوقت نفسه يحضر مناقشات تدور في الصالون الأدبي بمقهى «بوعربيط» تهتم بموضوعات سياسية ،أدبية…، واسترعى اهتمامه امرؤ القيس والشنفري والفرزدق والأخطل وأبو نواس.

ولم يقتصر نقاش مالك على زملاء الدراسة بل انفتح على البعثات التبشيرية الإنجيلية ليخوض معهم في ألوهية السيد المسيح وهناك تعرف لأول مرة على الإنجيل، كما استفاد من محمد بن الساعي الذي تعلم منه طريقة توجيه الآيات القرآنية لتُتَّخَذُ تفسيرًا اجتماعيًا لحالة المجتمع الإسلامي الحاضرة.

مالك المحاضر والكاتب

واستمر اهتمام مالك بالجانب الفكري أثناء دراسته بمدرسة اللاسلكي ومدرسة الكهرباء والميكانيكا بفرنسا، ولكي يغني فكره انضم إلى الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين بحيث كان يناقش أعضاء الوحدة مسائل تخص المسيحية، وانخرط كذلك في نادي طلبة شمال أفريقيا بحيث ألقى محاضرات كمحاضرة (لماذا نحن عرب؟)، وكتب مقالات مثل مقالة (المثقفون أم مثيقفون) التي لم تنشر، ولم يكن لهذا الشاب المفعم بالحياة والحامل هم الأمة أن يترك ليشتغل كما أراد، بل واجه حربًا من ماسينيين ومؤيديهم من طلبة مسلمين كان همهم أن يتعاونوا مع المستعمر ليضمن لهم بعد تخرجهم أعلى المناصب في بلدانهم المستعمرة، وقد أثر هذا على مالك وأسرته فيما بعد.

تطور فكر مالك بسب احتكاكه مع طلبة من تخصصات مختلفة، كان يتناقش معهم، كـحمودة بن ساعي في القضية الإسلامية من ناحيتها الأيديولوجية، ومع صالح بن ساعي من وجهتها الاجتماعية، وتعرف مالك على الوجه الأصيل للحضارة الفرنسية بواسطة زوجه خديجة التي تزوجها بعد إسلامها، فكان اهتمامها بالبيت جمالًا وتنظيمًا قد طور ذوق الجمال عنده.

مالك المعلم والمربي

عاد مالك إلى بلده بعد أن تخرج وصار مهندسًا وكله حماسة لخدمة بلده وتسخير ما درسه- سواء ما يتعلق بالكهرباء والميكانيكا أو الجانب الفكري والحضاري الذي تبلور أثناء دراسته في فرنسا، لكن هيهات، فبدلًا من أن يهتم الناس بالمشكلات كالقضاء على الأمية وبناء المساجد للسمو بالروح، أضحوا يناقشون كلامه بلوم، حتى إن النخبة نفسها لم تهتم لحال البلاد أمثال بن جلول وفرحات عباس، ورغم ذلك انطلق مالك يبث فكره عن طريق المحاضرات الثقافية في نادي تبسة، وتولى قسم الصبيان في مدرسة تبسة، فلما لم تستقم له الأمور انتقل إلى مرسليا حيث تولى إدارة نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي كان هدفه تعليم العمال الجزائرين وتوعيتهم بقضايا البلاد، وتضمن النادي درسًا لحلقة تلاميذ عشية كل سبت لتعليمهم القراءة والكتابة، ومحاضرة عامة للجمهور عشية كل أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد