قد ينال التغريب من ثقافة الإنسان العربي ولغته، مؤديًا في كثير من الأحيان إلى هزائم حضارية فردية، وتقهقر ثقافي أمام كثافة الهجمة الفكرية التغريبية. في أحيان أخرى كثيرة تؤدي محاولات التغريب إلى الاقتراب من الثقافة الغربية وقراءتها للتحليل والتفسير؛ فيتغير الحال من تقهقر إلى تقدم، ومن سلبية متفرجة إلى إيجابية ناقدة، ومن انبهار إلى تفكيك وتعرية. كانت النتيجة الثانية هي التي شكلت مشروع مفكرنا. كان تكوينه الثقافي مطبوعًا إلى حدّ كبير بالثقافة الغربية الفرنسية. تعلم وأتقن العربية في القاهرة التي لجأ إليها بعد قيام الثورة الجزائرية. كتب وألف بالعربية الكثير من الأعمال، التي شهدت على مشيئة الأقدار أن يكون البلد الذي اجتاحه الفرنسيون بسفنهم ومدافعهم، واستماتوا في صبغه بالفرانكوفونية، هو من سيخرج المثقف الداعي لنهضة العالم الإسلامي، والناقد للحضارة الغربية المعاصرة والشارح لمفاتيح فهمها.

أدرك مالك بن نبي إنجاز الحضارة الغربية على المستوى الاجتماعي والمادي. رأى أن العالم العربي الإسلامي فقد ثقته التاريخية في مبادئه الثقافية والروحية أمام المكاسب الحضارية التي حققها الغرب وقدمها جاهزة للعرب والمسلمين؛ لتبرير هيمنته عليهم باسم التنوير ونشر الحضارة. كانت فكرة انعدام ثقة العرب والمسلمين في حضارتهم هي الأساس الذي طور عليه مفهومه الشهير عن القابلية للاستعمار. قام المفهوم على استعداد المجتمعات، سواء أكانت في بلدان مستعمرة أم غير مستعمرة، للتفكير بعقل الغرب وثقاته، والتنازل عن القيم الخاصة والمميزة للمجتمع بسبب شعور هذه المجتمعات بالدونية أمام التفوق الحضاري للمستعمر. عمل على تفسير مساعي الخروج من الانتكاسة الحضارية التي ألمت بالواقع العربي والإسلامي، من خلال استقراء المحاولات التاريخية التي قامت بها الحركات الإصلاحية بقيادة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الحميد بن باديس وغيرهم.

رأى أن هذه الحركات الإصلاحية لم تنجح بسبب وقوفها على الحلول الجزئية «سياسية أو مجتمعية أو أخلاقية»، ولم تطور نظرة شمولية تغطي نطاق مشكلة الحضارة ومبادئ التغيير اللازمة لانتشال الواقع الإسلامي من أسباب التخلف. توفرت النظرة الشمولية في رأيه في حركة حسن البنا الإصلاحية، ولكنها لم تكتمل بسبب تحولها بعده إلى السياسة. صحيح أن الحركات الإصلاحية بصرت المجتمع بالوسائل والإجراءات التي يمكنه من خلالها الدفاع عن نفسه، والوقوف أمام التحديات التي تجابهه، ولكنها لم تتخط موقف الدفاع والتبرير إلى تغيير الشروط الواقعية والأساسية للمجتمع، فكانت النتيجة هي الحلول الجزئية أحادية البعد؛ «فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا حبة ضد الجهل، ويأخذ هناك قرصًا ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول عقارًا كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هناك باستقلاله، وينشئ في بقعة قاصية مصنعًا، ولكننا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء بمعنى أننا لن نجد حضارة».

كان تفكيره السنني يدعو إلى اكتشاف واستخراج سنن وقوانين التغيير والنهوض الحضاري من حركة التاريخ وتجارب الإنسانية، والخروج منها بالحلول التي تناسب مبادئ العالم الإسلامي وثقافته وخياره. فلكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها. توجه خيار الحضارة الغربية ذات الأصول الرومانية الوثنية إلى عالم الأشياء، بينما توجه خيار الحضارة الإسلامية التي قامت على التوحيد إلى عالم الأفكار والغيبيات. كانت النتيجة أن الفكر الغربي جنح إلى مفهوم الوزن والكم حتى وصل إلى المادية في شكليها: الشكل البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي، والشكل الجدلي للمجتمع السوفييتي. رأى أن قصة روبنسون كروزو نموذجًا أدبيًّا يلخص جنوح الفكر الغربي نحو المادية. فالوقت عند البطل يجري في وقائع محسوسة «أكل، نوم، عمل»، وهي وقائع تضع ثواني الزمن في خدمة اقتصاد شخصي نفعي بحت. يدور عالم البطل حول «شيء» هو الطاولة التي يصنعها لنفسه، وكأن الزمن والحياة نفسها في الإطار الغربي لا اعتبار لهما إلا في عالم الأشياء.

هذا التمحور حول الأشياء تشكل في رأي ابن نبي منذ لوكريتس إلى ماكس بلانك، وتجذر بعده مع الفكر الكمي ووضعية أوجست كونت ومادية ماركس. نحا بعده عبد الوهاب المسيري الرأي نفسه حول النزوع الغربي نحو النظرة المادية في دراسة الإنسان التي تستبعد الإنسان المركب الرباني ومرجعيته المتجاوزة لسقف المادة وحدودها. أما العالم الإسلامي؛ فيرى ابن نبي أن مشكلته منذ انحطاطه بعد عصر الموحدين مشكلة أفكار. ترتب على الخلل في عالم الأفكار خلل في اتباع المناهج الصحيحة. بالرغم من كون البوصلة منجزًا للحضارة الإسلامية، إلا أن من استخدمها لاكتشاف أمريكا كان كريستوفر كولمبوس، وليس المسلمين؛ لأن بعض المفسرين كانوا يظنون أن الأرض تقف على رأس ثور.

لذلك فإن مشكلة الأفكار في اعتقاده هي التي سببت تخلف العالم العربي والإسلامي، الذي لم يقتصر على التخلف التقني والصناعي، بل هو في الأساس تخلف الإنسان المسلم عن أداء رسالته. طرح ابن نبي مفهوم «التوجيه» لانتشال العالم العربي الإسلامي من تخلفه ولتحقيق النهضة المنشودة. يتشابه المفهوم الذي طرحه ابن نبي مع مفهوم «التخطيط» الذي يمارس في أغلب الأنشطة العامة. قسم المفكر الراحل التوجيه الحضاري الذي يحسن تكتيل الطاقات والقوى وإدارتها إلى توجيه الثقافة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال. عرف توجيه الثقافة بأنه «تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقي والاجتماعي مما فيه من عوامل قتالة ورمم لا فائدة منها حتى يصفو الجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة». ثم طبق التعريف على مكونات الثقافة الأربعة: الأخلاق- الجمال- المنطق العملي الذي يحدد أشكال النظام العام- الصناعة بمعنى الفن التطبيقي الملائم لطبيعة المجتمع. رأى في تطليق أنصار المدينة لزوجاتهم والتنازل عنهن للمهاجرين، وما ترتب عليه من تمتين روح التماسك في المجتمع المسلم الجديد مثالاً رائعًا للتوجيه الثقافي في مكون الأخلاق.

أما توجيه العمل فقد عنى به سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد؛ بحيث يضع جميع أفراد المجتمع في كل يوم لبنة جديدة للبناء. هدف توجيه رأس المال عنده إلى بناء حياة اقتصادية لا مكان فيها لتركز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة تستغل السواد الأكبر من الشعب لكي تنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد. من هنا نلاحظ أن مالك بن نبي كان منتبهًا لدور الدين في النهضة الحضارية، فإذا كان الإنسان والتراب والوقت يشكلون الناتج الحضاري؛ فإن الفكرة الدينية هي ما أطلق عليه «المركب الحضاري» الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض. فحتى الحضارة التي قادتها الأحزاب الشيوعية، وإن كانت قامت نظريًا على فلسفة ماركس المنكرة للدين، إلا أنها عمليًّا وواقعيًّا قامت على فكرة التضحية في سبيل المنفعة العامة، وهي الفكرة نفسها التي قام عليها الإيمان الديني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

شروط النهضة. مالك بن نبي
مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. مالك بن نبي
الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري.. أنموذج مالك بن نبي. بدران بن مسعود بن الحسن
عرض التعليقات
تحميل المزيد