(1)

فلاش باك: لو لم تكن تعرف من هي مونيكا بيلوتشي، فأنا حقًّا آسف لك يا صديقي، اسأل من يحيطون بك، وستعرف وحدك السبب. “مالينا” هو عنوان فيلم للمخرج اﻹيطالي جوسيبى تورناتوري، قامت بدور البطولة فيه الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، أو مالينا بحسب دورها في الفيلم، ومالينا يا عزيزي، مجرد امرأة متزوجة، جميلة، منطوية على ذاتها وحياتها الرتيبة الهادئة، لا يشغل بالها سوى رعاية أبيها اﻷصم، وزوجها الذي لا نعلم عنه الكثير. تندلع الحرب العالمية الثانية، يستدعى زوجها للتجنيد، تحاول جاهدة أن تبقى مخلصة له، ولا تعبأ بنظرات من يشتهونها من الرجال، أو يحسدونها من النساء.

 

مجتمع مالينا محافظ، يحترم القيم والتقاليد، لا يقبل امرأة أن تحيا وحيدة دون ممارسة رقابة صارمة عليها، وإحاطتها بالظنون والشكوك، هل ذلك بدافع من الدفاع عن الفضيلة والشرف؟ هل رغبة في الحفاظ عليها وحمايتها حقًّا؟ لن أجيبك أنا، ستجيبك المشاهد المتعددة، لمن يحاولون التقرب من مالينا وإقامة علاقات غير شرعية معها، ستجيبك قائمة طويلة من الاتهامات، لاكتها ألسنة النساء الحاسدات لمالينا، والخائفات على أزواجهن من سحر فتنتها، وطغيان أنوثتها، خصوصًا بعد أن شاع خبر وفاة زوجها في الحرب، ويئست مالينا من عودته.

 

مجتمع صقلية الفاضل، سيدفع بالزوجة المنكوبة، بعد التضييق عليها، وممارسة كل أشكال القهر لها والتشهير بها، إلى أن تصبح ما أرادوه لها بالضبط، عاهرة.

 

(2)

مصر في منتصف السبعينيات: دشن الرئيس الراحل محمد أنور السادات سياسته المعروفة بالباب المفتوح “الانفتاح”، الخطوة التي كانت لها تداعياتها المؤسفة إلى يومنا هذا، فمنذ تطبيق هذا النهج، تحول المجتمع المصري إلى مجتمع استهلاكي بامتياز، زادت معدلات السفر إلى دول الخليج، تنازعت عقول غالبية المصريين المغتربين من حينها، أفكار ومعتقدات لا تنتمي لبيئتنا المجتمعية، وتخص المرأة تحديدًا بنظرة دونية، لا ترى فيها سوى مادة ﻹمتاع الرجل والقيام على خدمته، وعلى مدار سنوات طوال تغلغل هذا الفكر في نفوس الكثيرين ممن عادوا إلى مصر ليؤسسوا لحياة جديدة، لا مكان للمرأة فيها سوى المنزل، وما دون ذلك محرم أو محط استهجان ورفض.

 

(3)

مصر على أبواب اﻷلفية الجديدة: ثورة اتصالات غير مسبوقة، الإنترنت صار متاحًا بقدر ما لكثير من الشباب المصريين، بمرور الوقت لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا، في إنتاج حالة عصف فكري بين كثير من الشباب الطامحين للمعرفة، والباحثين عن التغيير، قيم الحداثة وربما التغريب، طغت على كثير من الشباب وانعكس ذلك على طريقة ارتدائهم للملابس، ولغة الحوار المستخدمة، وبالطبع النظر للبنات والسيدات ممن يحطن بهن نظرة الند والشريك، لا التابع أو الخاضع، وهو ما سعت المرأة إلى تأكيده، والتعبير عنه، وكانت المشاركة في الثورة تتويجًا لهذا المسعى.

 

(4)

ما بعد الثورة: تعرض لارا لوغان الصحفية اﻷمريكية ومراسلة قناة سي بي إس نيوز ﻹعتداء من بعض المتواجدين بميدان التحرير، عشية خلع مبارك 11 فبراير2014، كشوف العذرية 9 مارس2011، حادثة تعرية من عرفت بـ”ست البنات” 18 ديسمبر 2011، تعرض سونيا دريدي مراسلة قناة فرانس24 لإعتداءات من قبل المتظاهرين في جمعة “مصر مش عزبة” 20 أكتوبر 2012، أحداث تحرش متفرقة في ذكرى الثورة 25 يناير 2013، تعرض سيدة ثلاثينية وابنتها للتحرش والتجريد من الملابس، في احتفالات بعض المواطنين بفوز المشير عبد الفتاح السيسي بانتخابات الرئاسة, يونيو 2014.

 

(5)

قبل عدة أسابيع: عدة حوادث متفرقة، لرجال يقومون بعمل علاقات غير مشروعة مع سيدات، مع تصويرها والاحتفاظ بنسخ منها، تصادف أن يكون هؤلاء الرجال جميعًا من محافظة الغربية، وحدث أن يكون أحدهم منتميًّا لحزب ديني، وآخر مدرب كاراتيه، وثالث محامٍ، ورابع ضابط شرطة.

 

(6)

كيف تعامل المجتمع المصري المتدين والمحافظ مع مثل هذه الأحداث:
(أ) من الناحية الإعلامية: كانت الإدانة على استحياء، لمن قاموا بأعمال التحرش أو حتى الاغتصاب، لأنها جاءت في سياق حديث مبتذل، عن أسباب تواجد الضحايا وسط الزحام، وأماكن وتوقيت وجودهن، بل وتعدى الأمر للتوجيه بارتداء ملابس معينة، وعدم التواجد في مناسبات وأماكن كهذه مرة أخرى.

 

وفي الحالة الثانية كان التشهير وفضح من تورطن في ممارسة الرذيلة هو السائد، مع تبني خطاب رجل الشارع العادي في توصيفه لمن قاموا بمثل هذه اﻷفعال، والبحث الدؤوب عن دقائق حياتهم، لكشفها والتركيز عليها، إما ﻷسباب سياسية، كحالة من وصفوه بـ”عنتيل” السنطة، كأمين إعلام حزب النور بالمدينة، أو بحثًا عن مجرد إثارة انتباه المشاهدين، ورفع معدلات متابعة البرامج.

 

(ب) من الناحية الشعبية والمجتمعية: حازت مثل هذه الحوادث، على اهتمام غالبية المواطنين، وتنوعت ردود الفعل ما بين الاستنكار الظاهر، والتباكي على الفضائل المهدرة، والقيم المستباحة، فيم لم تخلُ جلسة خاصة للرجال أو النساء، من الحديث عن الأمر أو الإشارة إليه، مع إدانة النساء اللواتي تعرضن للاعتداء في الحالة الأولى، فغالبًا هن المسئولات بشكل أو بآخر!

 

وإدانة أيضًا، من مارسن فعلاً كهذا بمحض إرادتهن في الحالة الثانية، المرأة دومًا هي وحدها المخطئة بلا نقاش، دون إغفال التهامس بإعجاب، من قبل رجال كثيرين، بما فعله أىٌ من المتحرشين أو العناتيل.

 

(7)

مصر الآن: هناك تياران فكريان رئيسان يتصارعان على حيازة عقول ومعتقدات غالبية المصريين شيبًا وشبابًا، الأول يرفع لواء التسلف، واﻵخر يعلي من شأن قيم الحداثة والتقدم، نتاج صراع هذين التيارين ينعكس بجلاء، على سلوكيات وأفعال يستنكر المجتمع بعضها ويرفضه، ولو بشكل ظاهري، كالتحرش والاغتصاب، وبعضها يُنظر إليه بعين الريبة والتحفظ والمقصود هنا تحديدًا دور المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.

 

دعم أىٍ من التيارين يستلزم تبعًا لأولويات القائمين على شؤون البلاد، الاختيار الواضح بين هذا أو ذاك، ومن ثم توجيه مؤسسات الدولة اﻹعلامية والثقافية في اتجاه مناصرة إحدى منظومتي القيم المطروحتين، لا بديل، للأسف، عن دور للمؤسسات الرسمية، مهما كان جهد المؤسسات الأهلية ضخمًا وفاعلاً، ففي مجتمع سلطوي أبوي كالمجتمع المصري، لا مفر من بدء إصلاح من قمة الهرم لا من سفحه.

 

وتبقى ملاحظة: موجهة لسيادة الرئيس “المنتخب”، أو أىٍ من مستشاريه المعنيين باﻷمر، وهم كثيرون لا نعرف عنهم، أو عما يعملونه شيئًا، فيلم “مالينا” يا ريس متاح أون لاين، ورسالته واضحة إذا كنت لا تعرف بيلوتشي، أو لا ترغب في مشاهدتها، كل مجتمع يصنع بعض أفراده بأنفسهم، طواغيته، وربما، ربما عاهراته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيلم, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد