تعد الانتخابات أرقى أشكال الديمقراطية التي انبثقت من الإغريق منذ مئات السنين، فبواسطتها يمكن للناخب اختيار من يمثله في مؤسسات الدولة بمختلف أنواعها، كما تمكن هذه الصناديق من معاقبة من لم يلتزم بمشروعه أو برنامجه الانتخابي.

طبعًا تختلف الانتخابات في الدول المتقدمة العريقة؛ إذ تمثل رمزًا للديمقراطية والشفافية في تسيير الشأن العام عن نظيرتها النامية، وفي الخصوص بالمغرب؛ إذ تعد الأحزاب وأيام الانتخابات مناسبة للتأمل في ظواهر سياسية عديدة تجتاح الأحزاب بفعل التحولات الكبيرة التي طرأت على الجسم السياسي المغربي منذ نهاية القطبية الثنائية وانهيار المعسكر الشرقي، وزوال الأيديولوجيات وسيادة القطب الواحد الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، ولتتبع بعض أعطاب الأحزاب المغربية، لا بد من أسلوب المقارنة بين الماضي والحاضر وكيف كانت الأحزاب تمارس السياسة وكيف أصبحت تتعاطاها في اللحظة الراهنة.

بعد الاستقلال كانت أحزاب الكتلة الوطنية عبارة عن مدارس سياسية حقيقية يتلقى فيها المنخرط أبجديات النضال السياسي والقانوني والثقافي، تتكفل بالأمر خلايا حزبية تسهر على التكوينات الحقيقية للمناضلين، فلا يمكن مثلًا أن يكون المنخرط يساريًّا دون الوعي بحمولته الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية وأهم منظريه على المستوى العالمي، كما لا يمكن للمناضل أن يكون يمينيًّا دون معرفة دقيقة بمعنى اليمين السياسي كما هو متعارف عليه كونيًّا، في الماضي كان المنخرط يمتلك أدوات التحليل الحقيقية لمجريات الأحداث بفضل اللقاءات السياسية والتكوينية المكثفة فضلًا عن الجامعات الصيفية والجمعيات المدنية المخترقة لنسيج بالأحياء والنوادي، التي تغرس حب الحزب والانتماء إليه، أما اليوم فالمنخرط لا ينخرط، سياسيًّا إلا في الدقيقة الأخيرة من الزمن الانتخابي ويغادره بعد إعلان النتائج إذا كانت سلبية.

في السابق كانت هناك ثقافة محترمة لكل مناضل، يعي جيدًا تاريخ الحزب ورجاله الكبار وتوجهاته، وأيديولوجيته، مما كان يلزمه نوعًا ما بالانضباط والصرامة في التعامل مع حيثيات الظروف السياسية الطارئة، أما الآن أصبح عشرات السياسيين يستحوذون على المقاعد والمناصب حتى ولو لم تكن لهم حتى القدرة على القراءة والكتابة، فقد وضعت وزارة الداخلية معطيات حول منتخبي الجماعات توضح ارتفاع الأمية؛ إذ بلغ مجموع المستشارين الأميين في العمالات والأقاليم 53، أما الذين لم يتجاوز مستواهم الدراسي التعليم الابتدائي فوصل إلى 8792 مستشارًا بالجماعات و673 بالعمالات والأقاليم و460 على مستوى الجهات.

في الثمانينيات والتسعينيات، كانت الأحزاب لا تستطيع أن تزكي للانتخابات إلا أبناءها الحقيقيين ونادرًا ما نجد الوافدين عليها، اليوم أصبحت الأحزاب في تنافس محموم لاستقطاب المؤثرين أصحاب المال والأعمال والفن والرياضة وحتى المؤثرين الافتراضيين في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يهم رأي منخرطيها وأعضائها ما دام الهدف هو المقعد.

في السابق كان أغلب المرشحين للانتخابات ينتمون لفئتين مهنيتين تسيطران على المشهد هما: المحامي والأستاذ فالأول بفضل تمكنه من معرفة دقيقة بالقوانين والمساطر والإجراءات، كان يتصدر المشهد الحزبي إلى جانب الأستاذ الذي كان قشدة المجتمع ونخبته المهمة، فأغلب المنظرين التاريخيين لأحزاب الكتلة اشتغلوا في التدريس أو المحاماة، ومن النادر أن تسمع بترشيح فنان أو رئيس نادي كروي (و من حقهم طبعًا)، أما الآن فتسمع هذا الممثل وذاك الرياضي أو الملاكم يترشح في المنطقة الفلانية، بسبب انحسار أنشطة الأحزاب الإشعاعية وبُعدها عن الجماهير الشعبية، فلم تجد حلًّا لمشكلة الانتخابات والمقاعد سوى الفنانين والرياضيين الذين قد يحصدون بعض الأصوات بفضل معجبيهم لا بسبب برامجهم الانتخابية.

المغرب يعيش أزمات حزبية حقيقية نتيجة عوامل خارجية وداخلية تحتاج لجراحات مستعجلة ولا تستثني أي لون سياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد