أمس ذكرى وفاة العلامة الجزائري «مالك بن نبي» الذي توفي بالضبط في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1973؛ أي مايقارب 47 سنة على رحيله، لكن مؤلفاته لا تزال إلى اليوم تعبر عن رؤيته الثقافية المستنيرة التي اعتمدت عليها بعض الدول الغربية منهاجًا يسعى لتنمية مجتمعاتها، فيمثل هذا الرجل حلقة محورية في نهضة الفكر الإنساني ككل، والإسلامي بشكل خاص.

فيلسوف الحضارة كما يطلق عليه البعض كونه رسم أسسًا علمية ومنهجية لحضارة الأمة، وقد شغلت قضية النهضة من حيث نشأتها وتكوّنها وتطوّرها حيّزا مهمًّا من كتاباته، حتى تجارب بعض الدول الآسيوية التي طبقت أفكاره والتطور الذي وصلت إليه لخير دليل على إسهامات الرجل في بناء نهضتها.

هذه المدرسة الفكرية التي تركت خلفها موروثًا ثقافيًّا قيمًا، قد عانت في شبابها وتغربت في المهجر لكن دائمًا كان شعارها التحدي والصبر، ابن مدينة العلماء قسنطينة من أسرة فقيرة، حافظًا لكتاب الله، في عام 1930 سافر ابن نبي إلى باريس لمواصلة تعليمه، وفي جنوب فرنسا فتح مدرسة لمحو الأمية لكن سرعان ما أغلقتها السلطات الفرنسية، وبعد 33 عامًا التي قضاها في المهجر، عاد لوطنه حالمًا بالتغيير ليتقلد عددًا من المناصب مثل مستشار التعليم العالي، وزير التعليم العالي وغيرها، لكن بعد عام 1967 قدم استقالته وقرر التفرغ للإنتاج الفكري والتثقيفي.

وبعد كل ما حققه الرجل وسعة فكره فإن بلاده مع الأسف لا تستند على أفكاره، ولا مؤلفاته تدرس في الجامعات الجزائرية فيما تُدرس في الجامعات العربية والإسلامية، كاعتراف الدكتور مهاتير محمد رئيس الحكومة السابق لماليزيا الذي صرح بأن الفضل في نهضة ماليزيا يعود إلى أفكار مالك بن نبي والتوجيهات الفكرية التي تضمنتها كتبه، وأيضًا قبل عامين تم تنظيم مؤتمر دولي بقطر يسعى لتقييم شامل لكتاب «شروط النهضة» من أجل الخروج بمشروع يساعد في نهضة الأمة، والكثير من الندوات الغربية والملتقيات التي تُنظم لمناقشة أفكار الرجل، وقد لا تسعنا هذه الأسطر لذكرها كلها.

أمس ذكرى وفاة الرجل الذي لم تُخلد بندوات ثقافية تسرد نضاله المعرفي، وبالرغم من إنتاجه الذي يقارب 30 كتابًا، فإن القلائل من أبناء وطنه الجزائر يعرفونه. لكن الأمس اكتشفت أن هذا الرجل قد هُمش مرتين، أولًا من الأشخاص الذين حاولوا طمس أفكاره وتهميشها والتقليل من شأنها، ومرة من محبيه وقرائه الذين اختزلوا كل إنتاجاته وأفكاره في تخليد ذكراه عبر ستوري أو مقتبس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في حين أن هذا الرجل يستحق أكثر من ذلك، كتنظيم ملتقيات وطنية سنوية لا تخلد فقط ذكرى وفاته، وإنما تثمن كفاحه الطويل من أجل العلم.

لكن عبارة واحدة قالها تعكس ما نسعى لامتلاكه وما نغفل «لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار».

والبعض من بين أقواله أيضًا:

  • «الأفكار التي خانها أصحابها تنتقم».
  • دورة الحضارة تبدأ حينما تدخل التاريخ فكرة دينية مُعينة أو عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين؛ كما أنها تنتهي حينما تفقد الروح نهائيًّا الهيمنة.
  • إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق.
  • ففي الطور الذي يحدث فيه التغيير يصبح فيه الإنسان متناقضًا. فهو من جهة يهدم الماضي بيديه، ومن جهة أخرى يستشعر في ذاته ضغط ذلك الماضي.
  • كل كلمة لا تحمل نشاطًا معينًا هي كلمة فارغة كلمة ميتة مدفونة في نوع من المقابر نسميه القاموس.
  • غيِّر نفسك تغير التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد