لا أعرف إطلاقًا هل إعجابي بمالك بن نبي مصدره الانتماء إلى الوطن؛ كوننا ننتمي إلى نفس الجزائر، أم أنه إعجاب فكر وأفكار وحب لكتاباته ودوائه الفكري الذي وصفه لنا لنعالج مشكلة أفكارنا في العالم الإسلامي.

سأبدأ بقصتي وبدايات معرفة هذا الشخص، منذ ست سنوات كنت في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، عندما سألنا أستاذ اللغة العربية – الأستاذ النَّوالي – هل تعرفون مالك بن نبي؟ وكانت الأجوبة عشوائية: البعض ظنه شاعرًا، والبعض قال من السعودية، والبعض قال من مصر، والبعض قال سوريا، وأنا قلت المغرب، والبعضٌ ظنَّه من أيام الخلافة العباسية أو الاموية، وللأسف لم يقل أحد الجزائر، تأسف الأستاذ ذلك اليوم قائلًا: هذا ابن بلدكم ابن قسنطينة، فيلسوف الحضارة، وليس شاعرًا، الذي تحول بيته في قسنطينة إلى بيت السكارى والدعارة.

رجعت إلى البيت في المساء، وسألت أبي وعمّي عن مالك، وبالمصادفة وجدت في مكتبة أبي الصغيرة كتاب: الظاهرة القرآنية. ثم قرأت منه بعض الشيء، ولم أفهم شيئًا إطلاقًا؛ وذلك لصعوبة المصطلحات، ولمستواي الضعيف الذي كان محصورًا بين قواعد اللغة العربية، والمتتاليات الحسابية في الرياضيات، ودروس التاريخ والجغرافيا التي كنا لا نعرف منها سوى الحفظ فقط.

 مرت السنوات وبدأت بقراءة كتبه في السنوات الثلاث الأخيرة، واكتشفت أن لا أحد يعرف مالك، إلا فئات تجدها من أهل التخصص، أو من محبي المطالعة، أو من معجبي فكره وهم قلائل، واشتهر في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا، لكن اشتهر اسمه، وليس فكره، ولم أره في المناهج المدرسية ولا مرة في حياتي، في كل الأطوار الدراسية كتلميذ، وحتى في الجامعة، ولما نظمت كليتنا مؤخرًا ملتقى وطنيًا حول الإصلاحات في الجزائر لم يرد حتى اسم مالك بن نبي في الملتقى، بالرغم من أنه أفضل المصلحين على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، تساؤلات نطرحها على أنفسنا:

لماذا عامة الجزائريين لايعرفون مالك بن النبي رائد فكر النهضة؟

لماذا همش فكره في مناهجنا المدرسية، لماذا لا نسمع الوعاظ ومشايخ الدين يهتفون باسمه؟

هل يمكن القول «أزهد الناس في عالم أهله» هكذا جاء في الحكم، و«لا كرامة لنبي في قومه»، كما ورد في بعض الصفحات الإنجيلية، إنها العبارات التي تليق بالكثير من العلماء والمفكرين عبر التاريخ، وليس مالك بن نبي مُفكّر الحضارة في العصر الحديث بدعًا من هذه القاعدة ولا استثناء منها.

ثلاثة أسباب استنتجتها من تجربتي بعد هذه السنوات من قراءة فكر مالك بن النبي حول تهميشه في بلده:

1 – تعارض فكره مع النظام الحاكم آنذاك. سياسات الدولة الجزائرية آنذلك تعارضت مع فكر مالك بن النبي مثل التوجهات الاقصادية والسياسية وكذا الدينية، إضافة إلى مناقشته لبعض القضايا تمس رموزًا وطنية ثورية

2 – طرحه كان فئويًا. وذلك أن فكره ومصطلحاته المؤخوذة من كل العلوم كانت صعبة على العامة، إذًا يجب أن تلم بكل المواضيع كي تفهم فكره، لذلك استوعبه قلائل، أنا شخصيًا لم أستوعبه جيدًا، وتيقنت أنه يجب أن يكون لدي إلمام بالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم النفس أيضًا.

3- الفجوة وهي شر البلية بالنسبة لي. هناك فجوة كبيرة بين المثقف في الجزائر وبين الشعب، وذللك لعجز المثقف للوصول إلى الشعب، وعجز الشعب لاستيعاب أفكار المثقفين، ومازالت الفجوة بعيدة حتى يومنا هذا.

تعرض مالك بن النبي لهجوم شرس، اليساريون اعتبروا بن نبي إسلاميًا فهاجموه، والإسلاميون اعتبروه أحيانًا ملحدًا فنبذوه واتهموه بالكفر والزندقة ليعيدوا إلى أذهاننا قصة ابن رشد والفارابي، فضلًا عن النخب العربية الحاكمة التي اعتبرته مناهضًا لها، فراح بن نبي ضحية هذا الصراع ليعيش مهمشًا.

مالك بن نبي الذي هُمش وهوجم من بعض النخب الفكرية والسياسية العربية استفاد منه مسلمو إندونيسيا، فمالك بن نبي لم يُقرأ جيدًا كما قرأه أصدقاؤنا في إندونيسيا وماليزيا واستفادوا منه استفادة كبيرة. ودعى للاستفادة من علوم الغرب، لكن العالم العربي بقي يسبح في أيديولوجية منغلقة على نفسها، ويستورد الأفكار دون القدرة على استيعاب جوهر المشاكل التي يتخبط فيها، لذلك أُجهضت النهضة العربية ولم تقدم النخبة العربية لمجتمعاتها الحلول الممكنة على كل صعيد، اجتماعي أو سياسي وحتى تربوي وتعليمي.

طرح مالك بن نبي مجموعة من الأفكار، وخلد سلسلة من الكتب التي تعكس اختلافه مع الحركات الاصلاحية التي سارت على نفس المسار الذي كان يريده فيلسوف الحضارة آنذاك، ولعل كتبه الثلاثة «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» و«شروط النهضة» و«بين الرشد والتيه»، توضح جزءً كبيرًا من هذا الاختلاف، وكان فكره بشكل عام رافضًا لنهج الإصلاح السائد، الذي تبنته جمعية العلماء المسلمين ورواد الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي عمومًا، حيث انتقد في كتابه الآخر كذلك، وجهة العالم الإسلامي، العقلية التجزيئية التي تناولت المشكلات التي يمر بها العالم الإسلامي.

وأخيرًا أقولها بصراحة: إن دراستي النسبية للتاريخ، وتحليلي لعظماء العالم منذ بزوغ فجر التاريخ، أكد لي أن نجمهم لم يظهر، بل تعرض للاضطهاد دائمًا وأبدًا، إلا أنه بعد مرور العصور يظهر، كالظاهرة ابن خلدون، غاليو غاليلي، كوبرنيكوس، ميكيافيلي، ليوناردو دافينشي، ولي أمل ولي حلم أن يظهر نجم ابن بلدنا وابن جلدتنا يومًا ما في بلده الجزائر وفي بلدانه العربية والإسلامية، فلنعمل كلنا من أجل إيصال فكره في أجيالنا والأججيال القادمة، ولنستفد من أخطاء أجدادنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد