المفكر الجزائري مالك بن نبي ذلك العبقري المجهول الذي يعد من القلائل الذين صبوا تركيزهم في مشكلات الحضارة وألف فيها عشرات المؤلفات بطريقة موضوعية مراعية للظروف الاجتماعية والنفسية التي عايشها الواقع العربي والإسلامي في فترة الاستعمار وما تلاها من أحداث، وللأسف لازالت قائمة حتى اللحظة منذ عقود، وقد لخص معادلته الشهيرة لقيام الحضارة في كتابه المعروف (شروط النهضة)، والتي تتألف من العناصر التالية: ( إنسان + تراب + وقت = حضارة).

من يقرأ لمالك بن نبي يعض على أنامله ويتحسر على واقعنا العربي الأليم فقد لاح فجر النهضة بعد تخلصنا من وطأة الاستعمار الأوروبي، لكن الزمان قد توقف بنا فعدنا إلى الخلف بدلًا عن المضي إلى الأمام، ومن عادة التاريخ أن لا يلتفت إلى الامم التي تغط في نوم عميق كما هو مجرب.

يعتبر الاستعمار الأوروبي في نظر مالك بن نبي ما هو غلا نتيجة حتمية لانحطاطنا الحضاري، وهو السوط الذي لربما يوقظنا من سباتنا العميق، وغذا ذكر اسم مالك بن نبي عند قارئيه فعادة يذكر معامل قابلية الاستعمار الذي اشتهر به، وهو الداء العضال الذي ظل يلاحقنا جيلًا بعد جيل، حتى بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي، فكلما حطم الشعوب العربية أصنامًا نصبوا لأنفسهم آخرين، وكأن شيئًا لم يكن، فهو يرى أننا ذهبنا نتطبب من الصيدلية الغربية فعالجنا الأعراض، وليس الأمراض، وعلى رأس هذه الأمراض مرض قابلية الاستعمار.

يقسم بن نبي العوالم الإنسانية إلى ثلاثة عوالم، وهي عالم الأشخاص، وعالم الأشياء، وعالم الأفكار، ويرى أن عالم الأفكار أكثرهم ديمومة، وبقاءً، وضرب مثالًا لنشوء دولة الإسلام في جزيرة العرب، إذ في غزوة أحد أشيع عن مقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء القرآن يقرع الصحابة قائلًا: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا…). فأخرجهم بهذا الخطاب من عالم الأشخاص، وهو شخص الرسول الكريم إلى عالم الأفكار، وهو ما جاء به الرسول من رسالة سماوية عظيمة وقيمة أي مجتع في نظر بن نبي تكمن في عدد الأفكار الذي ينتجها، لا الاشياء التي يصنعها، وكان دائمًا ما يتنقد ظاهرة التكديس للأشياء التي أصبحت من أهم سمات العالم العربي والإسلامي، وتتمثل بالتركيز على بناء السكن، لا الساكن، في محاولة بائسة لبناء حالة حضارة، وما هي كذلك.

يرى بن نبي أن أي إصلاح  اجتماعي يبدأ بتوفير القوت، والملبس أولًا، ثم طرح القضية على بساط التخطيط، ولعل ما يبشرنا بالخير هو ما أعلنته بعض الدول العربية حتى لو كانت قليلة جدًا عن خطط مستقبلية تشمل جميع المستويات للتنمية، ونتمنى أن تؤتي أكلها خلال العقود المقبلة بالشكل المطلوب، إذا ما استطاعوا التكيف مع الظروف والعقبات التي سيواجهونها خلال السير وفق المخطط الذي تبنوه للنهضة المرجوه لبلدناهم.

تنبأ بن نبي في كتابه (فكرة كومنويلث إسلامي)، بوجود بذور ثورة جديدة قد تجتاح عالمنا في حال عدم لحاقنا بمحيطنا وشعورنا بعدم فعاليتنا بين الأمم ونبه على ضرورة وجود قيادة سياسية حكيمة تقود سير الثورات ما لم تأتينا الثورة من الخارج، وحينها لن يكون بمقدورنا التحكم فيها.

لقد قرأ بن نبي الواقع جيدًا إبان فترة الاستعمار وما تلاها واستطاع برؤية ثاقبة استشراف المستقبل، بل رسم شروطًا لنهضته المرتقبة، لكن كما قال الفيلسوف اليوناني سقراط بعد تجرعه للسم: ويل لم سبق عقله زمانه، فقوبل إرث مالك بن نبي الفكري بالتجاهل من قبل أهل الشأن والساسة؛ حتى اعتبر في نظر البعض امتدادًا لابن خلدون، ذلك العبقري العربي الآخر الذي سبق زمانه بقرون واكتشفه الغرب قبل العرب للأسف الشديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد