ليس صعبا أن تمسك قلما وتكتب ما يجول بخاطرك من خواطر تطيب لها نفسك، أو تكتب قصة أو رواية من نسج الخيال، لتسعد بها حين تجعل من نفسك الشخصية البطلة في كل ما تكتب، أو تحول عددًا من الأوراق البيضاء إلى سوداء من كثرة الجمل والكلمات العاطفية التي تملأ بها فراغك، ولكن من الصعب أن تتحمل مسؤولية كتابتك عن أمة قد طار علمها، وغطّ على رؤوس علمائها وقادتها الجهل، فلم يبقى منهم سوى بقايا من الساسة الفاسدين الذين خلفهم الاستعمار خدمة لمصالحهم، وقادوا الجميع نحو المجهول، هذا المصير هو مصير العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله، إلا من رحم ربي.

وأصبحت أقلام المثقفين اليوم تتناول مواضيع ليست بذات أهمية، وليس لها بداية فكيف ستكون لها نهاية، وأيُّ نتيجة لما يتوصل إليه ذلك القلم، وفي هذا المقال سنتناول إحدى أهم القضايا التي عجزت أقلام الأمة – اليوم – أن تكتشف لها حلا يخلصها من متاهاتها، وهذه الرحلة ستكون مع المفكر الجزائري مالك بن نبي، ضمن كتابه المعنون بـ: «الصراع الفكري في البلاد المستعمرة»، منطلقين من الجزائر وصولًا إلى العالم الإسلامي أولا والعالم الثالث ثانيًا.

لم تكن مقدمة ذلك الكتاب مجرد فاتحة يستفتح بها المؤلف كتاباته تمجيدا بما يقول، أو إثبات حقيقة ما يقول بقدر ما كانت أفكارا قابلة للجدل، فهو أراد أن يضع مدخلا للقارئ حتى يتساءل عن الأساليب التي تستخدمها الدول القوية/العظمى للسيطرة على الدول الضعيفة في عالم تغيرت فيه الاستراتيجيات من الحرب إلى السلم، ومن السيطرة بالسلاح إلى السيطرة بالإقناع، ويحق للقارئ أن يتساءل، عن ما وراء كل هذا الخضوع والتبعية، ولعله سؤال بسيط حين تقول: طيف للعالم الإسلامي أن لا يتخلص من قيود التبعية للآخر؟

في السابق، عندما كانت لنا أقلام تقوم بالتنقيب عن المشاكل، كنا قد طردنا الاستعمار من بلادنا، وتحررت الشعوب من قبضة ذلك المارد، ولكن حين أصبحت الأقلام بأيدٍ غير أمينة وليست أهلا لحفظ الأمانات، أصبحنا هدية تقدم لذلك المستعمر الذي أخرجناه بالقوة مثلما دخل بالقوة، أو مثلما يقول محمد الماغوط: «عندما سمع هؤلاء بأن الوطن ثمين قاموا ببيعه».

والمفكر مالك بن نبي هو أحد أهم المنقبين الجزائريين، الذين أقاموا عهدا مع الله بأن يلتزموا بمسؤوليتهم تجاه الأمة، وهو أحد الذين كافحوا بأقلامهم، وحاربوا بكل ما أمكنهم بتوعية الشعوب، وكشف مكامن الاستعمار، إلا أن رحيله ورحيل أمثاله ممن كانت لهم نزاهة، وروح متمردة تأبى الخضوع والركوع للآخر، أدى إلى عودة عجلة الأمة لما كانت عليه في دائرة الذل، وهذا هو مصير الأمة اليوم، التي تعاني بعد رحيل أمثال مالك، وفنائهم ترجع بقبضة المستعمر القديم من جديد، وكأننا بأجدادنا كان كفاحهم من لا شيء، وأصبح كل ما كافحوا من أجله عدما معدوما.

بدلا من الحديث عن المؤامرات الخارجية التي يقوم بها الإعلام وتزيينها وتنميقها لنا، لنقم بتجربة بديلة وبنفس السؤال، ماذا لو كانت المؤامرات من الداخل، من داخل الوطن بحد ذاته؟ وماذا لو كانت الأقلام التي ترفع كلماتها هي صاحبة للأيدي التي تحكم البلاد؟ ماذا لو كان الخائن هو معلمنا الذي يطرح أفكاره على منابرنا وفي مساجدنا؟ ماذا لو كانت أصواتنا كلها ليست دفاعا عن الحق، بقدر ما هي دفاع عن الباطل الذي كان في اعتقادنا حقا وما هو بحق؟ ماذا لو كانت كل هذه المصائب التي تنهال علينا ليلًا ونهارًا هي من صنع أيدينا؟ أليس لنا الحق أن ننقب ذاتنا قبل أن ننقب غيرنا؟ أليس الأجدر بنا أن نبحث عن أنفسنا داخل أوطاننا بدلا من نبحث عنها خارجها؟ ألا يحق لكل مسلم أن يحرر تفكيره من قيود وأغلالًا قد صدئت من القتال باسم الدين والطائفية؟

فالاستعمار/العدو الذي تشهره الجرائد والمجلات اليوم ليس ذلك الاستعمار الحقيقي الذي يجب علينا محاربته، وليس على الجزائر أن تشهر سلاحها على المغرب، ولا على المغرب أن تشهر سلاحها في وجه الجزائر، ولا على السعودية ودول التحالف أن تشهر سلاحها في وجه اليمن، ولا على إيران أن تشهر سلاحها في وجه السعودية، ولا على مصر أن ترفع صوتها عن السودان، ولا على تركيا أن تصرخ وتتبجح  ضد العرب، ولا على العرب أن يتغنوا بأمجاد قد مضت، وأخيرا لا يجب على المسلمين بأن يسمحوا لكل من هو خارج عن الإسلام بأن يحل قضايانا ومشاكلنا، فليبيا بحاجة للمسلمين وليست بحاجة للأمريكيين، وكذلك سورية وفلسطي،  ووو…

فإن كان الاستعمار هو من خطط لكل هذه المصائب، فأعلم يقينا أننا من نَفَّذنا هذه الخطة على أرضنا، فكل روحٍ تزهق هي في رقبتنا جميعا، ولكل يتيم فقد والداه فأعلم يقينا أننا من قتلنا أمه وأباه، فمتى يستفيق المسلم من سباته ليرى بعين العقل أن الإسلام لم يولد بأيدي هؤلاء؟ بل ولد للناس جميعا، الإسلام ليس ملكا للسعودية أو إيران، الإسلام ملك للجميع، أم أننا لم نستوعب بعد أن الله أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، فتبدروا قرآنكم جيدا، فكروا، لا تتوقفوا عن التفكير أبدًا، فمسرح الواقع مظلم وضبابي، لكن ليس على الذين يبصرون بعقولهم، ويشتغلون بفكرهم.

لنعد إلى الموضوع حتى لا نحيد عن مقصدنا، بالنسبة لي مالك بن نبي يعتبر نابغة في هذا المجال، خصوصا في رصد الوسائل التي يستخدما للتنقيب عن آثار العدو الحقيقي للأمة الإسلامية، فهو يقول بملئ فمه: «الاستعمار لا يلجأ في الفصل الافتتاحي إلى غير وسائل  القوة، إذ هو يدرك أنه يواجه (فكرة متجسدة)، يمكنه إقصاؤها عن خشبة المسرح … إن الاستعمار سوف يجتهد في امتصاص القوى الواعية في البلاد المستعمرة بأي طريقة ممكنة، حتى لا تتعلق بفكرة مجردة، ومن البديهي أنه سيحاول أولا تعبئتها لحساب فكرة متجسدة تجسدا تصبح معه أقرب إليه منالا، لأنه يمكنه مقاومتها إما بوسائل القوة أو بوسائل الإغراء».

فالقوة وسيلة تقليدية عند دارسي الاستراتيجية العسكرية، لأنهم يدركون بأن عالم اليوم أصبح يمتلك من السلاح الدفاعي أربعة أضعاف السلاح الهجومي، فالقنابل الذرية والنووية والكيماوية كلها أسلحة دفاعية، وهي من الأسلحة التي توفر حصنًا منيعًا للدولة المالكة مثل أمريكا وروسيا مما يمكنها من اللعب في الساحة الدولية بحرية؛ بينما الأسلحة الهجومية هي نفسها تلك الأسلحة المذكورة لكن 90% لا يمكن إستخدامها، هل تعرف لماذا؟

لأن ضرر ذلك السلاح سيكون على الجميع، على الدولة التي تملك السلاح والتي لا تملكه، كلاهما سيان، لهذا لجأ الاستعمار إلى طرق أخرى لضمان نتيجة إيجابية لكل حساباته، وهو أن يقوم بتحقيق مصالحه بإقناع الدول الضعيفة أن ما تفعله هذه الدول هو في صالحها، مثل البرامج التنموية الفاشلة التي تفرضها المؤسسات الدولية المتمثلة في كل من صندوق النقد لدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة على دول آفروآسيوية، لتبقى هذه الدول خاضعة إلى القوى العالمية، فلا مجال للهرب إذا من العبودية، نعم! وإن شئت قلت العبودية بالرضا.

وكلما ظهرت فكرة متمردة تسعى إلى الخلاص من هذه العبودية مثلما فعلته كوبا أو بوليفيا سابقا ضد أمريكا وحلفائها، أو أمريكا اللاتينية اليوم، إلا وكانت القوى العالمية تصنفها ضمن الإرهاب، أو الجماعات المتمردة، وإن لم تصدق، ارجع بالزمن للوراء، وستجد أنك كنت تدرس عن الإرهابي البوليفي «تشي غي فارا» – وهو رجل ثائر ضد الظلم والفساد – وزعيم حرب العصابات «فيدال كاسترو» – وهو زعيم شيوعي أراد لدولته الحرية – وغيرهم الكثيرين، ولكن مالك بن نبي يقول بأن موت هؤلاء ليس بالضرورة موت الأفكار المتمردة معه، بل هذه هي اللحظة التي تحظى فيها الأفكار بحياة الحرية، لأنها ستكون حية في ضمير الشعوب وتستقر إلى حين تحققها، وتجسدها على أرض الواقع، ولا زلنا نتذكر تشي غي فارا إلى اليوم ونتذكر كل أفكاره رغم رحيله عن العالم منذ زمن.

فهو يقول – مالك بن نبي -: «إن الاستعمار، سوف يواصل في الوقت نفسه حربه ضد الفكرة المجردة بوسائل ملائمة فيها أكثر مرونة، ويستعين من أجل ذلك بخريطة نفسية العالم الإسلامي: وهي خريطة تجري عليها التعديلات الضرورية في كل يوم، يقوم بها رجال متخصصون مكلفون برصد الأفكار؛ إنه يرسم خططه الحربية ويعطي توجيهاته العملية على ضوء معرفة دقيقة لنفسية البلاد المستعمرة، معرفة تسوغ له تحديد العمل المناسب لمواجهة الوعي في تلك البلاد حسب مختلف مستوياته وطبقاته، إنه يستخدم لغة  الفكرة المتجسدة في مستوى الطبقة المثقفة، فيقدم للمثقفين شعارات سياسية تسد منافذ إدراكهم إزاء الفكرة المجردة».

وللأسف أصبح اليوم العالم الإسلامي يعج بهذه الأفكار البائسة، ولعل أولها كثرة الأحزاب المعارضة التي تعلن الولاء للسلطة، والسلطة تعلن الولاء وتبعيتها للدولة المستعمِرة، وتبقى الشعوب هي اللاعب الخاسر ضمن هذه اللعبة، حتى المشايخ الذين يعيشون وسط الشعوب هم ضمن الخونة الذين ينشرون الأفكار التي تفرضها السلطة دون إدراك بأنها منبع الفساد، أي الولاء، الولاء للسلطة وفق شعار «أعطني القليل، وخذ ما شئت»، ولا مكان للحق بأن يظهر على ألسنة هؤلاء، لهذا، لن يظهر الحق على أيدٍ قد قامت بإخفائه، وتزييفه خدمة للسلطة، وليس خدمة للرب سبحانه وتعالى، لهذا يجد المستعمر سهولة في التعامل مع دول العالم الإسلامي، ولعل التاريخ يعج بالقتل، قتل من؟ قتل كل من يحاول أن يظهر الحقيقة، ويجاهد في سبيل الله بحق، نصرة لدين الله، ونصرة لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ونصرة لحق كل الشعوب الإسلامية. ابحث عن التاريخ المعاصر للقرن الواحد والعشرين إن كان للعالم الإسلامي مكان فيه، وابحث في التاريخ وستجد أن العالم الإسلامي غائب تماما في ثنايا تلك الحروف، لأكبر المؤرخين في العالم، ليس هناك عالم إسلامي – ليس جغرافيا، أنا لا أتكلم عن الأرض والجبال والبحر، أنا أتكلم عن الإنسانية – والجميع يعترف بذلك، أليس الآن وفي كل وطن عربي مسلم تجد الكثير ممن يلعنون العرب والعروبة، رغم أنه عربي؟ أليس هناك مسلمين يتساءلون أين المسلمين؟ رغم كثرتهم ولكنه يجيب على سؤاله بأنه كان زمانا قد مضى وليس اليوم.

أصبح الفشل هو كل تفكيرنا، وأصبحت عقولنا لا تفكر إلا بالسلبية، حتى وإن فكرت في البحث عن المشاكل وإثارة القضايا الحساسة بتساؤلات جدية، ستجد الجميع يعترض طريقك، وأدناهم يهمس في أذنك قائلا: «أنت تعبث بالسلطة، ومصيرك المشنقة»، ما تم إعدام الشاعر العراقي «أحمد النعيمي» قبل أيام، وبدلا من أن تجد من يحمي ظهرك من طعنات الفاسقين، ستجد الجميع يطعنك من الأمام، وفي أعماقهم إيمانا كبير بأنهم قد فعلوا الصواب.

رحل مالك بن نبي، ولم تبق سوى كُتبه وأفكاره التي أصبحت آثارًا مطبوعة في قلوب من أراد حقا وحقيقة، وبيد من يحمل هم المسؤولية في قلبه، وهو يعلمنا بأنه لا أحد سيسعى لنصرتنا إن لم نبادر نحن بذلك، فعندما تقرأ له ستجد أن أفكاره تشدك وترجوك بأن ترفع رأسك نحو الواقع، وتشاهد حقيقة العالم الإسلامي بين كلبين، أحدها يسمى أمريكا بقيادة «باراك أوباما»، والأخرى روسيا بقيادة «بوتين»، فكلاهما يملكان أنيابا كبيرة قد تُفتت كل ما يقع بين فكيهما – والشرق الأوسط هو أول لقمة تفتت على أنياب هؤلاء – لهذا نجد العالم الإسلامي يتخوف من عصيان أوامرهما، يجب أن لا يبقى عندنا شك في أن الخصوم الذين يتنافسون، على محور واشنطن – موسكو، للاستيلاء على عناصر القوة، سيلجأون إلى سلاح الأفكار، لأن قنابلهم الذرية أصبحت عاجزة في المستقبل عن حل مشكلاتهم المعلقة، وهذا الاستنتاج يطابق تماما ما يتنبأ به أقطاب العلم والفكر مثل (برتراند راسل)، الذي يستنتج في مقال خصصه لهذا الموضوع «بأن كل من يعتقد أن انتصار الشيوعية أو أعوانها أصبح مستحيلا، يجب عليه أن يعدل أفكاره: إنه يجب عليه أن يعترف بأن وجهة النظر التي يفضلها يجب أن تنتشر، هي أن تنتشر بالإقناع لا بالقوة»، ولو كان لجامعة الدول العربية أثر فكري صحيح مُقنع لما تركت سوريا وليبيا وفلسطين بين ذينك الفكين، ولما كانت ستصوت بأن حزب الله من عناصر الإرهاب، ولما كانت آخر من بادر عند قيام الثورات العربية، فأول من خان الشعوب العربية هي أنظمتها، وإن لم تتغير البُنى التي تتركب منها هذه الأنظمة لما تغير العالم الإسلامي/العربي للأفضل، ولن يبصر النور أبدًا.

العالم الإسلامي بحاجة لعقول تفكر في الخلاص، التحرر، وليس لمن يفكر في العبودية والخضوع للديمقراطية وللآخر، فالعقول المتحررة/المتمردة هي التي بإمكانها أن تصنع لنا حريتنا جميعا، وهي التي بإمكانها أن تضع بصمتها على الحقيقة، لأنها ستقابل الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة، وتبني أجيالا لا تقهر بالسلاح، فأغلب ما ذكره التاريخ وكرره في ألف موضع، أن الأفكار غالبا ما تنتصر على السلاح، لأن العقول التي تفكر بإمكانها أن تصنع سلاحا أقوى من الذي يمتلكه العدو، ولكن السلاح لا يمكنه أن يصنع لنا عقولا تفكر.

لكن! هل سيتركنا الاستعمار التقليدي/ الجديد – بمختلف مسمياته – نفكر بهذه البساطة، وبحرية؟

أتمنى ذلك! ولكن أجزم لك أنه لن يتركك تفكر مثلما تريد، دون أن يضع لك خارطة تسير وفق مقتضاها، وتفكر وفق ما يتطلبه ذلك، ولن تخرج عن الإطار المألوف، وإلا سيتم إنهاء مهامك/حياتك بالقوة، وبالتالي نجد أن مالك بن نبي في هذا الشأن يقدم لنا بديلا، أو بالأحرى يقد لنا حلا للتملص من هذه الخارطة، وللتخلص من سلطنة الذهنيات المزيفة، وذلك في قوله: «إذا اقتصرنا في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الإنسانية – على اعتبار ما يتعلق بمحور طنجة – جاكرتا فإن المشكلة التي تعترضنا ذات وجهين، لأنه يجب علينا أن نفكر كيف نعطي لأفكارنا أقصى ما يمكن من الفعالية، ومن ناحية أخرى أن نعرف ما الوسائل التي يستخدمها الاستعمار لينقص ما يمكن من فاعلية أفكارنا؟

وهكذا تصبح – في الواقع – أمام مشكلتين: الأولى تتضمن كيف ننشئ أفكارًا فعالة في مجتمعنا؟ والثانية كيف يجب أن نفهم أسلوب الاستعمار في الصراع الفكري؟ حتى لا يكون له أي سلطان على أفكارنا».

فالتملص هو الجزء الأول من المشكلة الكلية، التملص من كل ما يرسمه العقل الاستعماري في عالمنا، والوسيلة التي نتحرر من خلالها من سلطان هذا الجائر هي المشكلة الثانية، إذًا فالاستعمار الجديد المحصور بين روسيا–أمريكا كلاهما يستخدمان نفس المفهوم ونفس الأفكار مع إختلاف الأساليب، والمتمثلة اليوم في الإرهاب…ألا يجدر بنا أن نتساءل من هم الإرهاب حسب الفكر الأمريكي–الروسي؟

فكما أنّ «كلمة (استعمار) – في نظر مالك –  هي أخطر سلاح يستخدمه الاستعمار، وأحكم فخ ينصبه للجماهير، وما من خائن يدسه الاستعمار في الجبهة التي تكافح فيها الشعوب المستعمَرة، إلاّ وكلمة (استعمار) هي التي تفتح له أبوابًا مغلقة في عواطف الجماهير» فإن كلمة الإرهاب اليوم هي أخطر سلاح يوجهه العالم المتسلط في وجوهنا، بدءًا بنشر الفكر التطرفي من خلال بعض الجماعات التي ينسبها علماء الغرب للإسلام، وما هي من الإسلام من قربب ولا بعيد، سوى تلك المظاهر التي يتقلدونها من لحية وقمصان قصيرة، فتلك الأساليب التي سرقت من شبابنا فراغهم، وملأته بهذا التطرف، فأصبحت أنهار الدماء تجري في شوارعنا من تونس إلى ليبيا ومصر وسورية…وتقدم للقادة السياسيين والمثقفين من حملة الأقلام، شعارات يدافعون عنها، مثل «الديمقراطية – الحرية – تقرير مصير الشعوب …إلخ»، ويجتمع الكل في ساحات من البلبلة الإعلامية، وحصص تُبث فهذا يؤيد ذلك، وذلك يؤيد هذا، فأصبحنا نماذج نظرية، أو بيادق، أو أحجار من رقعة الشطرنج التي تحركها كلا المتنافسين في اللعبة محصورة في: أمريكا – روسيا.

يقول مالك بن نبي في موضع آخر: «وبهذا وبغيره من الشعارات المثيرة، يتمكن الاستعمار من وضع الطابع البدائي على سياسة البلاد المستعمرة، ليقرر لنفسه بذلك انتصارات الحاضر والمستقبل، فهو يعلم أنه من الميسور دائما أن يخدع فردًا أو زمرة أفراد، ولكنه من العسير عليه أن يخدع بفكرة أو يغري بها «، لأن بنية الفكرة ترسو في ضمائر الشعوب دون الحاجة إلى واسطة، فلكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويوازيه في السرعة، لهذا تجد الفكرة تقاوم غيرها من الأفكار التي تحاول القضاء عليها، ويكون لها الإنتصار أو الخسارة حسب طبيعة كل فكرة وقوة حصانتها؛ فالأفكار الأكثر حصانة، تنتصر دائما، وتنتقم لصاحبها، لهذا يلجأ الاستعمار إلى التشجيع على إنشاء مراكز دراسات تهتم بشأن هذا العالم، وتحاول دائما كشف الثغرات التي يعاني منها الفكر الإسلامي، فكل ثغرة هي بمثابة باب واسع يدخل من الاستعمار ليستقر في نفوسنا، وباب الطائفية والفرق بإسم الدين هو أكثر الأبواب إتساعا وشهرة في هذا الزمن، والدارس للنزاعات يلاحظ هذا بكل بساطة».

فكيف يسعى الاستعمار إلى البقاء لفترات أطول في العالم الإسلامي يستغل شعوبه وثرواته؟

يقول مالك بن نبي في هذا الصدد: «إن المحافظة على هذا الشرط الأساسي في خطة الاستعمار الإستراتيجية، التي تقتضي في حالة التطبيق وفق شرطين اثنين:

  • أولها: أن يضرب الاستعمار كل قوة مناهضة له، تحت أي راية تجمعت.
  • ثانيها: أن يحول في كل الظروف، بينها وبين أن تتجمع تحت راية أكثر فعالية.

وهذان الشرطان يحددان استراتيجية الاستعمار في الصراع الفكري في البلاد المستعمرة: إنه يحول بين الفكر والعمل السياسي حتى يبقى الأول غير مثمر والثاني أعمى».

فجمعية العلماء المسلمين – سابقا وليس الآن، لأنها اليوم أصبحت جمعية الأغبياء المسلمين –  التي تم إنشاؤها على يد الشيخ المصلح عبد الحميد بن باديس – رحمة الله عليه – كانت أولى المؤسسات المستهدفة من قبل المستعمر الفرنسي، لأنها قامت بالدور الكبير في توعية الجزائريين بكل ما يحدث داخل المستعمر، بل أضافت إلى ذلك مهمة تعليم الشباب الجزائري ودفعهم نحو الجهاد، ومحاربة الاستعمار، وما الموت إلا مفتاحا للدخول إلى الجنة من بابها الواسع، وكذلك تم اختطاف الشيخ العربي التبسي – رحمة الله عليه – ، وغيره من الشخصيات التي كان لها الفضل في إدارة كل ما له علاقة بالتحرر من العبودية، وطرد المستعمر من الوطن، ونيل الجزائر استقلالها بشرف وكفاح الشهداء الأوائل. فرحم الله كل شهيدا كانت نيته دفاعا عن الوطن. وقبح الله كل من يدعي الجهاد في غير سبيل الله.

كل ذلك يوضح لنا مهابة الاستعمار من مثل هؤلاء الأشخاص الذين يحاولون زرع بذور أفكار تحررية في صدور الشعوب العربية، لأنه بطبيعة الحال سيجعل من الاستعمار يعاني الويلات، فالشعب حين يدرك ما حوله فإنه سيتحول إلى قنبلة ذرية قابلة للإنفجار في أي وقت، يسحق فيه كل القوى التي تقيد حريته، وتسرق ثرواته، فماذا لو كانت هذه الانفجارات في وجه الاستعمار الداخلي الذي دمر ثرواتنا، وخرب معتقداتنا، وشرد أطفالنا، بل ولا يزال يحكم بلادنا إلى اليوم؟

يجب على القائمين بتوعية الأمة بأن يكثفوا من جهودهم العلمية، لكي يؤسسوا لعلم قائم بذاته يخلصنا من كل هذه المتاهات، يخلصنا من تبعيتنا للآخر، ويخلصنا من الخضوع للسلاطين الذين نصبوا أنفسهم علينا.

«إننا تعودنا بمقتضى العقل الذري – كما يقول مالك – الذي يجزئ الأشياء، ألا نرى الجزئيات التي تقع تحت حسنا، وتنبع من كليات لم تصل بعد إلى عقولنا، كما لا نرى من ناحية أخرى بسبب تخلفنا الاجتماعي، أن العالم الذي نواجهه ونعيش فيه مخطط، أي أنه عالم لا تأتي فيه الأشياء عفوا وإنما بوصفها نتائج لخطط محكمة».

فهذه الدعايات/المؤامرات التي نتغنى بها في كل الميادين، ننسبها تارة لإسرائيل وتارة أخرى لأمريكا وروسيا، كلها شيء ليس له مصداقية، وليس له تأثير مثل ما يجب أن ننسب مشاكلنا لأنفسنا، لأننا الأولى بنا أن نبحث عن مشاكلنا الجزئية، فلماذا إسرائيل؟ ولماذا نحن؟ هل يرجع تكالب القوى العالمية إلى ضعفنا؟ أليس الأجدر بأن نطرح هذا السؤال: كيف يمكننا تخليص أنفسنا من هذا التكالب؟ بدلا من أن نقول نندب حظنا، وننعى على تاريخ قد مضت عليه القرون، ما هي الدول التي تتآمر علينا؟ وما السبيل للخلاص منها؟

ماذا لو كان العالم الإسلامي من القوى العالمية، هل ستتمكن إسرائيل أو أمريكا أو روسيا أو غيرها بأن تتكالب علينا؟، بالطبع لا، ولكن الأيدي الخفية التي يستعين بها الاستعمار، والمترسخة في السلطة، هي من تجعل من الحمار في مرتب الوزير، وتجعل من العالِمِ في مرتبة عامل بسيط كبناء، أو مدرس في الطور الابتدائي، وهكذا تنقلب الموازين، والقاعدة تقتضي بأن الغبي لا يمكن أن يصنع جيلا من الأذكياء، وإلا فسيكون هذا منافٍ لقوانين الطبيعة، لأنه لن تجد حمارا يلد غزالا، ولن تجد غزالا يلد حمارا.

عموما، «عندما نريد رصد سلوك المستعمر تجاه الدولة المستعمرة يجب أن نصور خطة الاستعمار في هذا السبيل، وأن نلاحظ مبدأين: مبدأ الغموض ومبدأ الفعالية.

فالمبدأ الأول: يقضي بأن لا يكشف الاستعمار  النقاب عن وجهه في المعركة إلا إذا لم تترك له الظروف حيلة، فهو دائما أو غالبًا يستخدم قناع القابلية للاستعمار[*].

والمبدأ الثاني: ناتج عن الأول، في حيز التطبيق، إذ أن هدف الاستعمار لا يتعلق، في الأساس بذات شخص معين، ولكن بأفكار معينة يريد تحطيمها أو كفّها، حتى لا تؤدي مفعولها في توجيه الطاقات الإجتماعية في البلاد المستعمرة».

والأغلب أن الأفكار التحررية الجديدة التي تكشف مكامن الاستعمار هي التي يفضل محاربتها أولا، بأساليب أكثر دقة وحداثة من التي كان يستعملها سابقا، فعزل الشخصية المتحررة من ساحة المعركة تُعطى لها الأولوية دائما، وذلك بإنقلاب الفكرة على صاحبها، ومالك بن نبي أدرى بذلك حين يخبرنا بالآتي: إن المبدأ  الثاني يقتضي من الاستعمار، وبوجه التفصيل، عزل المكافح في حلبة الصراع الفكري، من جانبين:

أولا: أن ينفر من أفكاره الرأي العام في بلاده، بجميع الوسائل الصالحة لذلك.

ثانيا: أن ينفره هو نفسه، من القضية التي يكافح من أجلها بأن يشعره بعبث كفاحه.

فحينما تكوّن الأحداث والظروف وحدة كفاح شاملة ضد الاستعمار، نرى هذا الأخير يشرع في خلق وحدات كفاح جزئية، حتى يحدث الخلاف والتنافس بين القوى التي تقاومه فتنحرف بذلك المعركة من معركة بين قوى الشعب المستعمَر والاستعمار إلى معركة بين القوى الشعبية ذاتها، كما وقع هذا في كوريا وفي الصين وفي الهند بعد التقسيم، وفي أندونيسيا إلى حد ما.

وهذه الخطة تحقق للاستعمار هدفين:

أولا: تخطيط من المستوى الروحي، أو الإيديولوجي، الذي كانت تدور فيه المعركة ضده.

ثانيا: تشتيت القوى الموجودة في المعركة.

وأي مكان يبقى للعقل العربي المسلم التفكير فيه، سوى الإستسلام في  ظل السبات العميق الذي نعيشه اليوم، فكأننا ننادي عليه، «افعل ما شئت فالجميع يغط في نومه، ولا تقلق بشأن الرؤوس التي أينعت، فكلما طالت رقابها، قامت السلطات بقطافها مسرعة»، دقة كبيرة في الأساليب التي نستخدمها ضد أنفسنا، خضوعا لهذا المستعمر، وكثيرًا ما يردد المثقفون اليوم عبارة «أمة ضحكت من جهلها الأمم»، ولكن لم يتعلموا بأن هذه الأمة كانت في يوم ما تضحك على جميع الأمم، ونفسي تخبرني بكل ثقة بأن هذا المجد سيعود إلينا مهما طال، ولكن ليس بالدعاء كما يفعل المشايخ اليوم، حين يخبروننا بأن الإسلام سينتصر، فارفعوا أكف الضراعة، ما هكذا انتصر الإسلام سابقا، بل كانت الانتصارات تأتي بالعمل بعد جهد جهيد من التفكير العميق، أو إن شئت قل بعد إستخدام العقل، فشتان بين الأمس واليوم، وشتان بين من يستخدم نعليه ومن يستخدم عقله.

فالتغلب إذا على الاستعمار يشترط فيه أمر واحد قبل كل شيء، هو أن يتكاتف العالم الإسلامي في منظومة فكرية واحدة، وتحت راية أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن منظمة التعاون الإسلامي وفكرها التي لم تُغني المسلم البسيط بشيء ينفعه فكيف ستُغني العالم الإسلامي برمّته، هكذا ندخل التاريخ من جديد،  لأنه كما يقول مالك: «أكبر لحظات التاريخ هي دوما اللحظات التي تتكون فيها وحدة كفاح شاملة ضد الطبيعة أو ضد البشر».

فإن كان فتحنا للفرس مؤكدا، فلا بد للفرس إذا أن يكونوا ضمن هذا الإتحاد، و الإصلاح ليس شيئا صعبا إن تم الإتحاد، لأن الجميع سيخض لإرادة الله، وليس لإرادة السلطان، هذا إن تم الإتحاد وفق ما يتطلبه الإسلام الحقيقي، وليس الإسلام السني أو الشيعي، وغالبا ما أقول وأرددها في كل موضع، أن الإسلام ليس ملكا للشيعة، كما ليس ملكا للسنة، لأن الله الذي أمرنا بعبادته هو رب الجميع، ومحمد الرسول صلى الله عليه وسلم هو رسول ورحمة للعالمين، وليس رسولا للشيعة أو السنة، وأخيرا أقول عندما يدرك الجميع هذه الحقيقة ستكون الظروف ملائمة للإتحاد، وسيكون حينها قد آنت نهاية الاستعمار، وإقتربت نهاية العبودية والخضوع، وأقبل عصر التحرر من كل القيود الفكرية الاستعمارية.

والجانب الفكري هو الأساس في المشكلة التي نحن بصددها: لأنّ الأفكار لا تتمتع في المجتمع الإسلامي بقيمة ذاتية تجعلنا ننظر إليها كأسمى المقومات الإجتماعية، أو كقوة أساسية تنظم وتوجه قوى التاريخ كلها، وتعصمها بذلك من محاولات الإحباط مهما كان نوعها.

إننا لو فكرنا بمثل تفكير ساساتنا ومشايخنا اليوم، فسوف نكون قد أسأنا الظن بالاستعمار وبإمكانياته المتعددة المتنوعة لمواجهة الأفكار التحررية في البلاد المستعمرة بل إن كل مناسبة جديدة تكشف لنا عن وسائل جديدة، وعن خطة مجددة، وعن شباك محدثة، كأن الاستعمار لا يريد أن يترك لخصومه أن يدخلوا معركة اليوم، بما تزودوا به لمعركة الأمس، فوسائله تتنوع حسب الظروف، وطبقا للمناسبات، فهو لا يحافظ إلا على المبادئ الأساسية التي يطبقها في كل مناسبة، وفي أية ظروف.

وما علينا سوى كسر تلك لقيود.

فاليوم، وفي هذا المقام قد سافرنا مع مالك بن نبي في محنته، وآلامه، في فكره وأرائه، في شخصيته وشخصه، كرجل إلتزم بمبادئه، وتحمل مسؤولية هذه الأمة، فكان نِعمَ المعلم، ونِعمَ المفكر، وما بقي من آثاره لم تُهمل، ولم تُنسى، بل هي مرآة تعكس نورها، كلما طلعت شمس الصباح، لترينا إشراقة جديدة، ونهاية لنفق طويل، تلك الرحلة ليست فخرًا بفكرة أو إعتزازًا بشخص، بقدر ما هي حقيقة لا زلنا إلى اليوم لم نتقبلها بصدر رحب، لنطبقها، ونعمل وفقها.

فإن كانت للجغرافيا خرائط تستعمل كدليل، فإن للأفكار أيضا خرائط تستعمل للخلاص من المشاكل التي نقع في متاهاتها، ولعل هذه إحداها، وإن كان هناك الكثير ينتظرنا، ولكن في التأني السلامة، ريثما تتهيأ الظروف، لأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، ونحن اليوم نضع الخطوة الأولى، لنتعقب آثار من سبقونا، ونسمر من حيث توقفوا، فعسى أن يجعل الله بين أقلام هذا الجيل توفيقا، فنكون ممن وفقهم الله، وما التوفيق إلا من عند لله.

 

[*] – للإطلاع على مفهوم القابلية للإستعمار، إطلع على المقال الذي نشر سابقا في مجلة البيان بعنوان:  القابلية للإستعمار في العالم الإسلامي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد