الإنسان كائن تاريخي يحاور ذاته ويفهم نفسه من خلال احتكاكه بالواقع الذي يصنع من خلاله مفاهيمه للحياة، فوعي الإنسان ليس كيانًا ناجزًا ومعطى جاهزًا بل هناك مخزون هائل من التجارب التاريخية التي ساهم تراكمها الكمي – عبر العصور – في إحداث تغيرات نوعية في تصوراته التي يفسر من خلالها الكون والإنسان والعالم، وإذا كانت هذه الحقيقة ماثلة للعيان في مجال الفكر والفلسفة والعلوم إجمالًا فإن الأمر لا يختلف كثيرًا في مجال التطور الاجتماعي لأنه مرتبط – بشكل أو بآخر – بالإطار الذهني الذي يحمله العقل الإنساني حينما يقوم بعملية إنتاج الأفكار التي تتحكم بسلوكه اليومي.

وعندما نتأمل الخارطة الذهنية التي ينطلق منها المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي (1905 – 1973) في تحليله لمشكلات الأفكار في العالم الإسلامي، فإننا نلاحظ ارتكازها على ثلاثية: الأفكار – الأشياء – الأشخاص، حيث يؤكد بن نبي أن مشكلة التخلف في المجتمعات الإسلامية هي مشكلة “أفكار” فقدت توازنها مع عالمي الأشخاص والأشياء، واختلال التوازن أنتج اضطرابًا هائلًا كان له أثره العميق على مجمل المسيرة الحضارية في دول العالم الإسلامي.

تتحدد أولى علامات هذا الاضطراب في عدم قدرة المجتمع المتخلف على الاستفادة من موارده (عالم الأشياء) لافتقاره إلى الأفكار “الرائدة” التي ترشده إلى الأسلوب الأمثل لاستثمارها في تطوير المجتمع، فالفقر في عالم الأفكار غالبًا ما تنعكس مفاعيله بشدة في المجال السياسي والاقتصادي، وحينها يصبح العجز عن مواجهة مشاكل الحياة بل وتجاهلها والهرب منها خصلة سائدة لدى الجميع.

يعرف مالك بن نبي الحضارة بأنها “جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره”، ويؤكد كذلك بأن أية حضارة إنما هي “نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدمغة التي يدخل بها التاريخ” حيث تحدد المنظومة الفكرية للمجتمع الإطار الثقافي لحضارته التي تميزه عن غيره من الحضارات الأخرى، ومن هنا تظهر الأهمية الوظيفية للأفكار كأداة تحليلية لفهم حركة المجتمع عبر مراحل تاريخية مختلفة.

عندما يكون المجتمع في طور ما قبل الحضارة تتمحور الثقافة الاجتماعية حول أشياء لا حياة فيها، وفي البيئة الجاهلية كانت عبادة الأوثان أصدق تجسيد لسلطان عالم الأشياء الناتج عن ضعف عالم الأفكار، وهو في تفاعله مع الحياة يشبه الطفل الذي يعي وجوده من خلال تحسسه للأشياء من حوله مثل: أصابعه ومصاصته والمصباح المتدلي فوق سريره، حيث لا وجود لأي إدراك لعالم الأشخاص أو الأفكار، وتكون الرابطة بينه وبين عالم الأشياء هو “الامتلاك المطلق” حيث يقوم الطفل بإدخال كل شيء في فمه!

وعندما يتحسس المجتمع طريقه إلى الحضارة يحدث بينه وبين عالم الأفكار توتر هائل، حيث يكون عالم الأشخاص هو الجسر أو الأداة التي تتجسد فيها الأفكار الدافعة نحو التغيير، وفي أثناء عبور المجتمع إلى عالم الأفكار يتشكل محيط ثقافي مختلف يكشف عن الآفاق الجديدة التي أتاحها الاتصال بعالم الأفكار الوليد، وتتحدد درجة تحضر هذا المجتمع بمستوى التناغم والانسجام بين عوالمه الثلاثة: الأفكار والأشياء والأشخاص.

فطغيان عالم الأشياء أثناء نهضة مجتمع ما يظهر في غلبة النزعة المادية و”الشيئية” وتقييم الأمور بسلم الأشياء والاهتمام بالكم على حساب الكيف، حيث يكثر استيراد منتجات حضارة أخرى ظنًا أن التحضر مرهون بتكديسها دون النظر إلى ثقافة المنتج الأصلي لها، وطغيان عالم الأشخاص يظهر في فقدان الأفكار قيمتها الحضارية عندما يتجسد المثل الأعلى في شخص ما، ويعدَ فقدان القدرة على النقد الموضوعي للأفكار من أشد العلامات على طغيان الفكرة التي تحولت إلى “صنم” يمارس جبروته الرمزي على نخبة المجتمع.

يشدد مالك بن نبي على أهمية القاعدة الأخلاقية للمجتمع في طور انطلاقه الحضاري “فكل مجتمع ناشئ يبحث دائما عن سند له من القيم المقدسة”، وهذا ما أدركه روبيسبير حيث أضاف فكرة “الكائن الأعلى” إلى أيدولوجيا الثورة الفرنسية، لأن الأفكار تحتاج إلى حوافز حتى يتحمس الناس لاعتناقها والعمل على تجسيدها وممارستها، وهذه الحوافز هي بمثابة (لحظة إشراق) ذات تأثير ملموس في صناعة القوالب الحاملة للأفكار داخل الثقافة الاجتماعية، ولكن المفارقة هنا – كما يذكر بن نبي – أن التاريخ يثبت لنا أن عالمًا مبنيًا في الأصل على القيم المقدسة يميل دائمًا إلى نزع صفة القداسة عن مبادئه كلما أوغل المجتمع في الطور الثاني من الحضارة: أي مرحلة الازدهار والتوسع.

لا يشكك مالك بن نبي من حيث المبدأ في حتمية الثورة في المجتمعات الإسلامية القابعة تحت نير الظلم والاضطهاد، ويصفها بـ “المفجر الذي يشعل نار البارود ليحرك عجلة المجتمع نحو قدره” ولكنه يرتاب في نتيجة الثورة حين يذكر أن “تاريخ الثورات في العالم يظهر كم أن مصيرها هشَ وغير مؤكد بعد انطلاقها، فالظاهرة الثورية لم تخضع بعد لعلم معياري يضع اطرادها تحت رقابة دقيقة”، وتحليله هذا يتفق تمامًا مع ما ذهب إليه المؤرخون المهتمون بدراسة تاريخ الثورات حول العالم حين قاموا بتقسيم أية ثورة شعبية تطيح بنظام حكم ديكتاتوري إلى: ثورة نمطية وثورة غير نمطية، ويتحدد الفرق بينهما ببساطة في أن الثورة النمطية تكون مصحوبة بثلاثة عوامل مترابطة متشابكة لا تنفصم وهي (برنامج ثوري متكامل – عقيدة ثورية – قوة تنفيذية) بينما تشتمل الأخرى على إحدى هذه العوامل فقط.

ينتقد مالك بن نبي ثورات العالم الإسلامي لأنها تفتح الباب مشرعًا لما يسميه بـ”الثورة المضادة”، وهي ظاهرة غالبًا ما تلازم الثورات بصورة كامنة في مراحلها الأولى حيث تتجسد في انضمام المندسين والمنتفعين وأصحاب الغايات المشبوهة في قطار الثورة، ممن يستخدمون اسم الثورة وشعاراتها من أجل تحريف مسار الثورة وإفسادها و”قلب مسار الاطراد في مرحلة ما بعد الثورة”، ويصف بن نبي الثورات التي حدثت في الحقبة الزمنية التي عاشها في منتصف القرن العشرين بأنها لم تؤثر في منظومة القيم والأفكار لدى الشعوب الثائرة، وغالبا ما يتفاجأ الثوار – بعد تضحياتهم الجسيمة من أجل الثورة – أن أوضاعهم الاقتصادية والسياسية لم تتغير، بل ربما وجدوا أنفسهم في وضع أسوأ بكثير من الوضع السابق على الثورة، فهم قد توجهوا بثورتهم ابتداء إلى ما يظنونه السبب في معاناتهم وهو شخص الطاغية وليس “ثقافة” الطاغية!

يلاحظ القارئ التأثير المباشر لأفكار الفيلسوف الأمريكي جون ديوي على كتابات مالك بن نبي في سياق تأكيده على أهمية فاعلية الأفكار كشرط للنهوض الحضاري، فأهمية الفكرة لا تنبع من ذاتها وإنما تـُستمد من النتائج الملموسة التي نحصل عليها، ويجب أن تكون الفكرة قادرة على مواجهة مشاكل الحياة وإيجاد حلول عملية لها، والتفكير العلمي يتطلب القدرة على ربط الفكر بالعمل حيث تتم محاكمة الأفكار بناء على قدرتها على الإنتاج، وإذا كان جون ديوي قد اكتفى فقط – لتحقيق فاعلية الأفكار – بشرطي المرونة والملاءمة لمتطلبات الحياة البشرية، فإن مالك بن نبي قد شجب التمزق في الثقافة العربية الذي جعل فاعلية الأفكار رهينة بتعقيدات اجتماعية لا حصر لها!

فالمفاهيم الفكرية الأصيلة المستمدة من تراث الحضارة الإسلامية قد فقدت ارتباطها بنماذجها الأولى فغدت أفكارًا “ميـتة”، والمفاهيم الفكرية الواردة من الحضارة الغربية نـُزعت جذورها من تربتها الثقافية التي أنتجتها فتحولت إلى أفكار “مُـميتة”! ونتيجة لذلك يعاني المجتمع الإسلامي من تمرد النماذج المثالية لعالمه الثقافي الخاص به من ناحية، ومن انتقام الأفكار – بلغة مالك بن نبي – التي جلبها من الغرب دون مراعاة الشروط التي تحفظ قيمتها الاجتماعية من ناحية أخرى، وقد أورث ذلك تدهورًا في قيمة كل من الأفكار الموروثة والأفكار المستوردة، نتج عنه أفدح الضرر في نمو العالم الإسلامي أخلاقيًا وماديًا.

يشخص مالك بن نبي مشكلة الصراع الفكري في العالم الإسلامي بالاحتكاك العنيف للحضارة الغربية بالضمير الإسلامي وهو في أسوأ أحواله، فالأفكار الميتة الناتجة من إرثنا الاجتماعي قد تجاورت مع الأفكار المميتة المستعارة من الغرب، وهذا الصراع ساهم في تجسيد مظهري المأساة: أي الاستعمار والقابلية للاستعمار، بل ويرى أن الأفكار الميتة الموروثة من عصور الانحطاط الإسلامي تبدو أعظم فتكًا وأشد تدميرًا للمجتمعات الإسلامية لأنها – لتخلفها وتأخرها كأفكار بالية – قد فتحت الباب على مصراعيه لاستدعاء الأفكار المميتة من الخارج.

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما أورده المفكر الإيراني داريوش شايغان في كتابه (أوهام الهوية) حين ذكر أن الثقافات غير الغربية لم تتعرض للتحولات والصدمات الفكرية والوجودية التي تعرض لها الغرب بل تلقتها بالوكالة، وعندما عجزت عن الاشتباك “الواعي” مع تلك الحركة الديناميكية في تاريخ الغرب أصبحت “الأيدولوجيا” هي الأسلوب المتبع لمحاولة إحداث التغيير الثقافي المنشود، وهذا ما يفسر – في نظره – الدوغمائية العجيبة في الأيدولوجيات التي تتكيف بسرعة مع الروح التقليدية في الحضارات التي لا تستطيع أن تتعلمن إلا إذا تأدلجت!. من دون أن تعرف في المقابل مرحلة العلم والتقنية الخاصة بعصر الانوار، ولا مغامرة التاريخ، بحيث تبقى عصية على الحصانة التي توفرها الملكة النقدية القادمة من الغرب، مما أنتج رؤية انفصامية للذات ألقت بظلالها على مفهوم الهوية الثقافية التي تعرضت لتصدعات وانقسامات أنتجت تناقضات كبرى.

وبما أن اللغة ليست فقط وسيلة في التعبير وإنما هي نمط في التفكير؛ فقد كان من الطبيعي أن ينعكس عليها التمزق في عالم الأفكار وذلك في صورة ازدواجية اللغة في المؤسسات التعليمية والمهنية، بل تطور الأمر إلى انشقاق ثقافي في البنية الفكرية لبعض المجتمعات الإسلامية فأصبحت فيها نخبتان تتحدثان بلغتين مختلفتين وتمارسان التفكير باستخدام أنماط ثقافية متضادة.

يستنكر مالك بن نبي هذه الازدواجية المزمنة في العقل الإسلامي فيعقد مقارنة ساخرة بين جانبيه: فيجد في الضفة الأولى مجتمعًا مخدرًا يفرض عاداته وأفكاره المسبقة وخرافاته كتقاليد أصيلة، وفي الضفة الأخرى مجموعة من المفاهيم الغامضة ذات الدينامية المزيفة التي تستهدف تحطيم الذات! ويشدد المفكر الجزائري على أن العالم الثقافي الغربي ليس كله مميتًا ولكنه يتساءل عن السبب الذي يجعل مثقفينا ينجذبون – بوعي أو دون وعي – إلى العناصر المميتة في الثقافة الغربية.

وحتى يؤكد مالك بن نبي وجاهة تساؤله، استشهد باللقاء الحضاري بين الثقافة الغربية والمجتمع الياباني حيث كانت الدول الإسلامية معاصرة لبدايات النهضة اليابانية عام 1860، يقول مالك بن نبي: “في عام 1945 وفي المرحلة الأكثر تعاسة والأكثر مجدًا من الحرب العالمية الثانية أثبت الطيار الانتحاري (كاميكازي) للعالم أن روح الساموراي لم تمت، بينما المجتمع الإسلامي وبالرغم من الجهود الحميدة التي خصه بها التاريخ تحت اسم (النهضة) فإنه بعد قرن من الزمان ليس غير مجتمع ذي نموذج متخلف، والواضح في النتيجة أن المشكلة التي تطرح نفسها لا تتعلق بطبيعة الثقافة الغربية، بل بالطبيعة الخاصة لعلاقتنا بها”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد