مقدمة:

الحفر لاستخراج البترول أو الغاز من باطن الأرض ليس بالعملية البسيطة أو متوقعة النتائج، فهي من التعقيد بمكان، بل وتحتمل الصواب والخطأ في كل قرارات الحفر، أضف إلى ذلك كثرة التفاصيل التقنية لكل شيء، وأهمية كل تفصيلة، وبها الكثير من المخاطرة في بعض الأحيان أيضًا، فكان لزامًا على شركات الحفر وضع نظم صارمة وطريقة للعمل واحدة، بل وللحياة على البريمة بصفة عامة أيضًا، فغدت تشبه التجنيد في الجيش من بعض الوجوه. أضف إلى ذلك أن العاملين في البترول من أصحاب الخبرات في الحفر من الطبيعي أن ينتقلون من شركة لأخرى حول العالم فلزم أن تكون تلك القواعد والنظم موحدة تقريبًا على كل البراريم إلى حد بعيد، وهذا ما حدث، تشابه كبير بين كل شركات الحفر في كل شيء تقريبًا، المسموح به وما ليس مسموحًا به وأماكنه، قواعد السلامة، مهام كل من على البريمة، من طاقم الحفر للمسؤولين عن الإعاشة، الحد الأدنى من الترفيه، تجد نفس الحياة تقريبا، هذه الحياة التي وضعها الخبراء جعلت العمل في مجال الحفر له شكل معين واحد قد يقبله البعض وقد لا يقبله الآخر ولا يتحمله، أما أنا فأحب عملي هذا كثيرًا، ولا أكون مبالغًا لو قلت لك إني كثيرًا ما أشتاق للبريمة مثلما أشتاق لمنزلي تمامًا!

إنها حكايات من يعملون في مجال النفط، الحفر تحديدًا إن كان في البر أو البحر، لا أعلم لماذا لا يعلم كثير من الناس الكثير عن هذا القطاع الواسع من البشر، فهم بالآلاف في كل أنحاء العالم يجوبون البلاد بحفاراتهم (تلك الهياكل المعدنية العملاقة) التي تنتقل من مكان لآخر ومن بلد لآخر بحثًا عن الذهب الأسود في البر والبحر الذي يدخل في كل الصناعات البلاستيكية والمصدر الأول للوقود بلا شك، فأردت أن ألقي الضوء عليهم بسرد بعض المواقف والأحداث التي استوقفتني خلال أسفاري إلى عشرات البراريم (الحفارات) في 14 دولة مختلفة، وهي مصر، ليبيا، السعودية، قطر، عمان، تونس، الكويت، نيجيريا، الجابون، الكاميرون، كينيا، أنجولا، الكونغو، وأخيرًا مالطا.

رحلة مالطا

ذهبت مالطا مرة واحدة، كان ذلك منذ زمن بعيد، وكانت رحلة مليئة بالأحداث الكثيرة غير المتوقعة، أبلغني مديري بأنه قد تم اختياري للذهاب إلى مالطا، لأجري بعض التعديلات وإضافة حساسات جديدة لأحد أجهزتنا على بريمة سفينة Drill Ship.

فقد رست في أحد مواني مالطا للصيانة، سعدت كثيرًا عندما أبلغني، لأني سمعت كثيرًا عن مالطا وكم هي بلد جميل وأهلها يحبون العرب كثيرًا، مالطا عبارة عن جزيرتين أساسيتين في وسط البحر المتوسط بين إيطاليا من جهة وليبيا وتونس من الجهة الأخرى، فقد كان من إجراءات الفيزا الحضور في سفارة مالطا لإجراء مقابلة، أجريتها، استلمت الباسبور من الشركة بعدها بأيام، فوجدت عليه «فيزا مالطا» وسبعة أيام فقط، فتعجبت فقد كنت أظن أنها فيزا شينجن، فأجدها مالطا، وسبعة أيام فقط وقت قصير جدًا، فلما سألت الشركة عن ذلك أبلغوني أنه يجب أن أسافر في خلال يومين وفيزا الشينجن تأخذ وقتًا، فقلت في نفسي تلك مشكلتهم لو لم أنهِ عملي في سبعة أيام فسأطالب بمد الفيزا من هناك، هذه فرصة جيدة، تجديد الفيزا سيأخذ وقتًا بالتأكيد وهذا سيكون بمثابة رحلة لي وسط المدينة بعد ستة أيام من العمل على البريمة، على أي حال، تأهبت للسفر، متجهًا إلى مالطا.

عندما حجزت لي الشركة تذكرة الطائرة، فما أن نظرت إليها ووجدتها رحلة نهارية، حمدت الله، أي بلد أزورها للمرة الأولى أجد متعة غير عادية وأنا أتفقدها من شباك الطائرة، وبالطبع في النهار تكون الرؤية أوضح، ما أن اقتربت الطائرة من مالطا، فنظرت من النافذة فوجدتها صغيرة بالفعل، المطار كان فعلًا مبهجًا، تصميمه واللوحات والإعلانات، واختيار الألوان والإضاءة مختلف، شعرت بالسعادة، أنهيت إجراءاتي سريعًا، وخرجت، فوجدت مندوب شركة الحفر كأي مأمورية ينتظرني في الخارج ومعه لافتة عليها اسمي، فلم يكن مالطيًا، أعتقد إيطاليًا، لم يكن الوقت كافيًا للتحدث معه كثيرًا، ذهبت معه لأركب السيارة، وما أن خرجت من المطار، تفاجأت بالسيارات الإنجليزي، السائق على اليمين! كم هي مختلفة، قد كانت المرة الأولى لي أن أرى مثل تلك السيارات، شعرت بالاضطراب كثيرًا وأنا بجواره على يساره، والشوارع تسير السيارات فيها بالعكس، القادم مكانه يمين الطريق وليس يساره، في الشوارع الصغيرة الفرعية مثلًا عندما تجد سيارة قادمة أمامك، تأخذ يسار الطريق وليس اليمين لتفسح لها لتمر، هكذا كان يفعل السائق، كم هي مختلفة القيادة في تلك الدول! وكانت المرة الأولى لي أن أراها.

وصلنا الميناء، لم تكن المسافة بعيدة، كم هي كبيرة تلك السفينة، المرة الأولى التي أزور هذا النوع من الحفارات، سفينة بمعنى الكلمة، ولكنها معدلة، بها منصة وبرج الحفر في المنتصف، ليتم الحفر من خلاله، علمت بعد ذلك أنها حقًا معدلة كانت سفينة تجارية قديمة، وتم تعديلها كليًا ليتم بها حفر الآبار النفطية، فلم يدعوا شيئًا فيها إلا وقد تم تغييره.

صعدت إليها متوكلًا على الله لأبدأ عملي هناك في مأمورية سريعة لتركيب حساسات إضافية اشترتها شركة الحفر من شركتي، كان يتم عمل صيانة لها، أناس كثيرة كانت هناك، شركات كثيرة كشركتي جاءت لتعمل أيضًا، لاحظت الكثير من أصحاب البشرة السمراء هناك، فلما سألت عن ذلك، أخبروني أنها شركة من أنجولا مختصة بالسقالات ومعهم بعض العمال الذين يساعدون في أعمال النظافة على البريمة، فتعجبت، لاختيار شركة الحفر شركة أنجولية تبعد آلاف الكيلومترات عن مالطا، ولا تبحث عن شركة مصرية أو تونسية أو جزائرية أو مغربية وهم أقرب، وتذكرت إحدى زياراتي لبريمة مصرية كانت في ميناء أبو رديس في جنوب سيناء وقد كانت العمالة التي تقوم بأعمال اللحامات هندية! بل وقد جاءوا مصر بطباخهم ليطهو لهم الأكل الذي يحبون!

عندما شرعت في البدء بالعمل وجدت أنهم في عجلة من أمرهم وليس متبقيًا سوى أيام على موعد تسليم البريمة وإنهاء أعمال الصيانة، كان هذا جليًا في أول اجتماع لي معهم في صباح أول يوم، وجدت أيضًا أنهم قد جهزوا كل شيء لإنهاء عملي سريعًا، حتى إنهم وضعوا كل حساس بجوار المكان المخطط لتركيبه بعد تجهيز المكان له بل وتنظيفه وكل ما أمكن أن يفعل قد فعلوه.

راجعت التقارير السابقة التي أعدها زميلي الجزائري الذي أتى إلى البريمة منذ عدة أشهر لوضع الخطة، وقد كلف شركة الحفر ببعض المهام التي من المفروض أن تنتهي قبل هذه الزيارة، وقد أخبرونا أنها تمت، لهذا أتيت، وكانت المفاجأة الكبرى عندما ذهبت لأتأكد من أن كل شيء على ما يرام، وجدت أنهم قد مدوا الكابل الرئيسي في مسار خطأ، مما قد يؤثر بالسلب على قراءة الحساسات، ذهبت إلى كهربائي البريمة وقد كان إيطاليًا، وسألته عن ذلك، فتحجج أنه لم يخبره أحد بذلك – من المفروض أنه يعلم ذلك جيدًا – ولسوء حظه أن زميلي في الشركة – الجزائري – الذي وضع الخطة من قبل، كان قد ذكر تلك النقطة جليًا، بل وذكر المسار، أبلغت مدير البريمة الأمريكي، فأخذ يصرخ فيه ويسبه فشعرت لكأني أمام «أسطى» في ورشة يعنف صبيه! تذكرت وقتها جملة مدير مديري اللبناني الذي لم ألتقِ به في ست سنوات سوى مرتين وجهًا لوجه، قال لي في المقابلة الأولى «في الحفر توقع أي شيء نحن لا نعمل في بنك!».

أخذ الإيطالي يسبه أيضًا وانصرف من أمامه وذهب، فسألني مدير البريمة، هل من الممكن أن يبقى الحال على ما هو عليه وأن أشرع في تركيب الحساسات لضيق الوقت، فرفضت بشدة لأن القراءات ستكون مضروبة وغير دقيقة ومشوشة، فسألني بالطبع ستحتاج كابلًا جديدًا؟ فقلت له من حسن حظكم أن المسار الصحيح أقصر، فابتسم وشع النور من وجهه وحمد الله، وأومأ برأسه ويديه على المكتب كأنه يسجد – مداعبًا – فضحكت وأضفت أن المسار الصحيح صعب يمر خلال الكثير من الغرف – بريمة البحر تعد متاهة ثلاثية الأبعاد بالمعنى الحرفي – فرد عليّ قائلًا سأعطي لك الكهربائي ومساعده لتعيد مد الكابل، قلت له نحتاج واحدًا آخر لأني ليس هنا لأمد كابلات نحن لسنا شركة مد كابلات والحد الأدنى ثلاثة أفراد لأن الكابل كبير، فكتم غيظه لأنه يعلم أني محق، وأضفت إن كنت تريد أن تنهي ذلك سريعًا؟! فقال سأجد واحدًا آخر وستشرف عليهم، ولكن كن معهم طوال الوقت حتى لا يحدث خطأ مرة أخرى، فقلت له لك هذا.

وبدأنا تحديد المسار الجديد والعمل، أنا (المصري) والكهربائي (الإيطالي) ومساعده (المالطي) وعلي (الأنجولي)، الشاب الذي جلبوه لنا ليساعدنا، الكهربائي كانوا يطلبونه من أول لحظة في أشياء كثيرة، لا يمكن أن ينجزها أحد غيره، فكان يتركنا مضطرًا، ففعليًا أنا من أخذ دوره، على أي حال، تعرفت على الشابين كنا نتحدث الإنجليزية بالطبع، وقد كانوا من سني وما أن تعرفت على المالطي قال لي «مرهِبا» بكسر الهاء، يقصد «مرحبًا» فقلت له بالإنجليزية أنت تتحدث العربية فقال لي هذا المالطي هذه لغتنا ولكن تكتب بالحروف الإنجليزية، وأضاف «كيف إنت، كيف إنتي تعمل» فضحكت يقصد كيف حالك وعامل إيه، فشرح لي كيف أن اللغة المالطية فيها الكثير من العربية، لاحظت أن فيها الكثير من اللهجة الليبية تحديدًا، عرفت ذلك لسفري الكثير لليبيا، ولكن لاحظت أن في لغتهم يقلبون المذكر مؤنثًا! والمؤنث مذكرًا أحيانًا! فسألته كيف تقولون كيف حال والدتك، فقال «كيف هو أموك؟!» فانفجرت في الضحك، شعرت وكأني في فيلم من أفلام مصر القديمة وأتحدث لأجنبي من الطاليان (هكذا يسمونهم) أو اليونان الذين كانوا يعيشون في مصر قديمًا. لغة عجيبة ولكنهم يعتزون بها جدًا.

بدأنا العمل، ذهبت لأريهم مسار الكابل الجديد، وما أن انتهينا من تحديد أماكن دخول وخروج الكابل بين الغرف، حتى أتى وقت الغداء، ذهبنا لمطعم البريمة، كان المكان نظيفًا جدًا الأكل متنوع وكثير، استوقفني حجم سمكة التونة، لم أصدق ما أراه، أكبر سمكة تونة رأيتها في حياتي، تأخذ منها قطعة وتضعها في طبقك، كانت رائعة ولذيذة جدًا، تحدثنا كثيرًا على العشاء (أنا والمالطي وعلي الأنجولي) وقال لي الشابان إنهم يتمنون أن يذهبوا إلى شرم الشيخ، كثيرًا أصادف أجانب لا يعرفون شيئًا عن مصر سوى الأهرامات وشرم الشيخ والبحر الأحمر واسم العاصمة «كايرو» فقط، بعد دقائق قليلة من جلوس الأنجولي معنا، أشار له رفاقه للجلوس معهم، فنظرت فرأيتهم يبتسمون وقد أضاءت أسنانهم البيضاء وجوههم! فاستأذن وانضم لهم، أكملت حوار رغبة المالطي لزيارة مصر فقال لي إنه كان يعمل في ليبيا والتقى بالكثير من المصريين هناك وذكر لي كم الطباع المشتركة بين الشعبين، المالطيون بشوشون جدًا، ويحبون الطرائف والضحك، فعلًا لم أجد شعبًا أقرب لطبعنا المصري منهم من الأريحية في الكلام والضيافة والقدرة على التعبير عن المشاعر الجميلة تلحظ ذلك من أول مقابلة، فقد التقيت بأحدهم من قبل مرة في ليبيا ومرة بآخر في الكويت وقد تركوا نفس الانطباع. عندما انتهينا من الغداء حددت لهم المكان الذي سألقاهم فيه بعد نصف ساعة لأني سأذهب لأصلي الظهر، المالطي كان مسيحيًا، فدعوت الأنجولي للصلاة معي؟ فقال لي إنه لا يصلي، ابتسمت وسلمت وانصرفت.

عادة أصلي في غرفتي ولكن لضخامة تلك السفينة وجدت فيها مكانًا نائيًا لا يذهب إليه أحد على الأرجح، قد كان في أعلى مبنى الإعاشة على البريمة، هذا المستوى كان مهجورًا والمستوى الذي أسفل منه أيضًا كذلك، لا يراني أحد في هذا المكان إلا من بعيد، فصليت بعد ما أقمت وبالطبع قبل ذلك أذنت! نعم أذنت في مالطا! وصدق المثل فلم يستجب لي أحد! صليت الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بالطبع، وقد كان عزائي أنه كان أول يوم لي، ولعلي أجد مسلمين والأهم أن يكونوا يقيمون الصلاة ليس كالأنجولي، فأصلي معهم.

كان الكهربائي الإيطالي من وقت لآخر يأتي ليساعدنا ولكنه كان مشغولًا فينصرف سريعًا، قضينا باقي اليوم في مد الكابل، وقد كان الأخ المالطي يعمل بهمة عالية، أكثر من علي الأنجولي رغم ضخامة عضلات علي ونحافة المالطي، وعندما كنت أطلب من المالطي أن يهون على نفسه، اتباعًا لإجراءات السلامة في العمل، حتى لا يحدث له مكروه، فيرد ضاحكًا أنا أعتبر نفسي في الجيم، فأقسو كثيرًا على نفسي في العمل كنوع من التمرين، أصاب الرجل.

كانت ساعات متعبة جدًا، لا سيما أن هذا ليس عملي ولا أقوم به إلا في النادر ولكن كما يقولون للضرورة أحكام، قال لي أحدهم – وقد كان له خبرة كبيرة – في بداية عملي في هذا المجال «أن من يتكبر على العمل، يتكبر العمل عليه» علقت تلك الجملة في ذهني، يقصد أن من يتأفف على العمل بالقول أنا لا أعمل هذا ولا أعمل ذلك، ويجعل هذه الفكرة تسيطر عليه، هذا هو المقصود بالتكبر على العمل – سيطرة الفكرة على الذهن – فسيتركه العمل حتمًا يومًا ويخسره لأي سببٍ دون سابق إنذار، وقد كان ذلك الشخص يطبق هذه المقولة، فقد كان دومًا مع من يعمل بيده وسط الفنيين كواحد منهم، رأيته ذات يوم وقد كان تجاوز 55 عامًا من العمر – قد كان محبوبًا من الجميع لا أنساه أبدًا – رأيته من بعيد لا تكاد تفرق بينه وبين من يعمل معهم يحمل على ظهره جهازًا كبيرًا يسنده بيد واليد الأخرى بها حقيبة العدة، بالتأكيد يجب أن يعي الجميع ابتداءً أنك تساعدهم تواضعًا منك، فالبعض خبثاء، يظنون أنك مثلهم، فتكون المحصلة أن تجد نفسك بذلت مجهودًا أكثر منهم، رغم أنها مهمتهم ابتداء، مهم أن تكون الأمور واضحة في الأذهان وبعد ذلك لا عليك أن تغوص في وحل العمل مهما كان، لا تعبأ بمكانتك المهنية.

مد الكابل أخذ يومًا كاملًا، وباقي الأيام كانت في تركيب الحساسات ومعايراتها واختبارها، وعمل محاكاة لوظائفها، للتأكد أن كل شيء على ما يرام، ما أن انتهينا من مد الكابل حتى تركنا الشاب الأنجولي ولكن المالطي ظل ملازمني رغبة منه في التعلم، ساعدني كثيرًا، ظل معي كل الأيام تقريبًا، لم أجد أي مسلمين سوى الأنجولي فقد كنت كلما ألقاه أخبره أني ذاهب لأصلي وأدعوه ليتصدق عليّ بالصلاة معي حتى أدرك ثواب الجماعة فيرفض مبتسمًا فأسأله لمَ؟ فيضحك ويقول أنا لا أصلي وينصرف.

مرت الأيام على خير دون مفاجآت في مأمورية العمل والحمد لله، وفي آخر يوم لي على البريمة صباحًا، وقت الإفطار لمحت رجلًا في المطعم يبدو من ملامحه أنه شامي، فسلمت عليه وعرفته بنفسي فإذا به سوري الجنسية، اسمه «نضال» وقد كان يومه الأول ويومي الأخير للأسف.

تجاذبت أطراف الحديث مع الأخ السوري نضال، كم أحببت هذا الاسم، فلم أكن قد سمعته من قبل، نضال يعمل في شركة مالطية لمعايرة العدادات، يعيش في مالطا منذ سنوات طوال، متزوج من سورية وله طفلان، مستقر في شركته منذ فترة بعيدة، حكى لي عن السفن والقطع البحرية وأنواعها التي تأتي إلى مالطا كل عام تقريبًا من كل دول البحر الأبيض المتوسط، وكيف أن جدول أعمالهم دومًا مشغول، يخرجون من مأمورية يذهبون إلى أخرى، ولكنه بالطبع كثيرًا ما يكون في إمكانه أن يبيت في منزله بعد ساعات العمل لصغر الجزيرة نسبيًا، وبلا شك له سرير في تلك القطعة البحرية لو أراد المبيت بها.

شرح لي كيف أن مالطا تعتبر محطة بين أوروبا وأفريقيا، وموقعها مثالي للقطع البحرية لعمل أعمال الصيانة والتطوير فيها، فما تحصّله الدولة من هذه الشركات البحرية متعددة الجنسيات، يعتبر الدخل الأكبر للعملة الصعبة لها، ولهذا كيفت كل شيء لخدمتهم، بل وأقامت شركات وطنية عديدة لهذا الغرض ذات أيدٍ عاملة رخيصة وماهرة من مواطنيها والمقيمين فيها ليعملوا في هذا المجال لتقديم خدمة بمواصفات عالمية بأسعار زهيدة، وأضاف أنه يتم تدريبهم سنويًا خارج البلاد أيضًا بخطة وضعت من قبل لرفع كفاءتهم، قال لي السوري هذا القطاع يدخل عملة صعبة للبلاد أكثر من السياحة بالرغم من شهرة مالطا عالميًا بشواطئها.

كم وددت أن أتحدث معه أكثر، لا سيما أنه مقيم بمالطا وكنت أود أن أعرف أكثر عن تلك البلد والأماكن التي تستحق الزيارة وأيضًا رأيه فيها من وجهة نظره باعتباره عربيًا عاش فيها سنوات طويلة وليس من وجهة نظر صاحبنا المالطي الذي كان لا يدع موقفًا إلا ويلقي النكات فضلًا عن سرده الذي لا ينقطع عن مغامراته خارج مالطا! مر الوقت مع نضال سريعًا، وعلينا أن نبدأ يوم العمل، سلمت على نضال وقلت له أكيد سنتقابل قبل أن أرحل ولكن لم يحدث.

الفيزا كانت بأسبوع وقد انتهيت من عملي البارحة في اليوم الخامس، فأرسل لي مديري إنه سيتم الحجز لي غدًا في اليوم السابع! فلن نحتاج إلى مد الفيزا، وسنرسل لك التذكرة ليلًا فلا تقلق، انتهيت من تقاريري، مضيتها من مدير البريمة الأمريكي، صافحني، وشكرني، وانصرفت لتناول وجبة العشاء بدون أي ضغوط عمل، أخيرًا، كم أحب هذا الإحساس بعد إمضاء التقارير، انتهت المهمة! لا أقلق من التذكرة التي لم يتم حجزها حتى الآن رغم أن آخر معاد للتأشيرة غدًا، تلك مشكلتهم وليست مشكلتي، فبلا شك سيجدون لي مقعدًا في أي طائرة غدًا لأخرج خارج البلاد في الميعاد المناسب.

أثناء تناول العشاء وحدي في هدوء، قطعه أحدهم ينادي على عليّ الأنجولي أثناء إعداده طبق السلطة بقوله كريستين! كريستين! فتعجبت! ولا أشك أني فتحت فمي كالأبله مصدومًا، كيف عليّ وكريستين في نفس الوقت! أنا متأكد أني سمعتهم ينادونه من قبل عليّ، فانتظرت حتى انتهى هو وأصدقاؤه من العشاء وناديت عليه عندما قام من على مائدته ليخرج بعض الفاكهة من الثلاجة، فسلمت عليه ودعوته ليجلس بجواري فجلس، فأخبرته أني سأسافر غدًا، وأردت أن أودعه فسلم علي بحرارة وكادت أن تنكسر أصابعي في يده الضخمة، فسألته مباشرة، أنا متأكد أني سمعت أحدهم يناديك من قبل علي والآن ينادونك كريستين، أنت علي أم كريستين؟ فقال إن عليّ هو لقبي فالبعض ينادونني به وكريستين هو اسمي، فدخل الشك في قلبي فقلت له ولم لم يسمِّك والدك اسمًا مسلمًا، فرد قائلًا «لأن والدي ليس مسلمًا! ولا أنا مسلم! ولا جدي أيضًا! نحن مسيحيون» وصلب على نفسه.

يا لها من مفاجأة عظيمة، فقلت ومن علي هذا، فقال هذا لقبي كما قلت لك أعتقد جد جدي، فأدركت أن أجداده كانوا مسلمين وقد تنصروا، فقلت له مباغتًا ألا تعلم أن علي اسم مسلم؟ أتعلم من هو عليّ؟ فقال لا، فقلت إنه كان من أهم أصحاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان أحد أقاربه أيضًا فقد كان محاربًا عظيمًا خاض معارك كبيرة أبهرت كل من قرأها، فانبهر الرجل ولمعت عيناه وقال إذًا أجدادي كانوا مسلمين وقد تم تسمية جدي الكبير على اسمه، قلت له بالتأكيد، فقلت له على أي حال إنها مفاجأة كبيرة لي، وأضفت لهذا كنت تقول لي كل تلك الأيام أنك لا تصلي، لأنك لست مسلمًا لمَ لم تقل لي منذ البداية أنك لست مسلمًا؟ وابتسمت ابتسامة بلهاء من الصدمة التي جعلتني لا أعلم ماذا أقول، فصدمني الرجل أكثر بقوله أنا لا أعلم أنك مسلم، ظننتك مسيحيًا مثلي وتريدني أن أصلي معك صلاة المسيحيين! فكنت أقول لك إنني لا أصلي، فقلت له أنت لا تصلي أيضًا صلاة المسيحيين، فقال نعم! كنت أصليها وأنا صغير، فانفجرنا ضاحكين وأضاف بعدما بدأت أصواتنا تنخفض قليلًا، ظننتك واعظًا مسيحيًا وتريد هدايتي، فضحكنا أكثر وتعالت أصواتنا سويًا حتى تعجب جميع من كان في المطعم فالبعض كان بلا شك يستمع للحوار من بعيد ويسمعنا جيدًا والآخرون كادوا أن يقوموا من على موائدهم ليسألونا ما القصة من كثرة ضحكنا.

سلمت عليه بحرارة وقلت له لا أعلم ماذا أقول لك وإن كنت سأراك بعد ذلك يومًا ما، فخطرت ببالي محاولة أخيرة يائسة لأشير له على طريق الهداية ولو من بعيد، فقلت له هل لديك أصدقاء مسلمون في أنجولا، قال فريق عملي كلهم مسلمون واستطرد قبل أن أفتح فمي قائلًا – لعله عرف ما أنوي قوله – فقال وكلهم لا يصلون! فابتسمت ابتسامة المقهور ودفعته بكلتا يدي مازحًا وتركته، بقولي باي باي باي باي أراك لاحقًا وضحكت. حقًا كنت أؤذن في مالطا!

جمعت أغراضي في حقيبتي، وتهيأت للسفر، وجلست في غرفتي أنتظر التذكرة التى لم تُحجز بعد، وأخيرًا في ساعة متأخرة من الليل أرسلوا التذكرة فإذا معاد إقلاع الطائرة في الصباح الباكر مالطا – ميونخ (ألمانيا)! – مصر، ترانزيت ثماني ساعات! جن جنوني فقلت لنفسي ما لي وألمانيا! لمَ أذهب شمالًا ووجهتي جنوبًا، لم يجدوا حجزًا إلا هذا؟

لم تخلُ رحلة العودة من المواقف الغريبة، فالرحلة كلها كانت بحق مختلفة، استيقظت في الصباح الباكر تناولت فطوري سريعًا، وغادرت البريمة (السفينة)، وقلت لنفسي هل سيحالفني الحظ مرة أخرى لزيارة واحدة من هؤلاء العمالقة أم تلك كانت المرة الأخيرة، لا أعلم فطبيعة مأمورياتي أنها إلى أماكن لا أعلمها ولا أعلم أيضًا متى أسافر ولا متى سأعود، ركبت السيارة مسرعًا متجهًا إلى مطار مالطا، ملقيًا كل ما يتعلق بالمأمورية خلف ظهري، لأبدأ رحلتي الطويلة عائدًا إلى مصر عبر ألمانيا!

ذهبت للموظف المسئول لأخذ البوردينج، وسلمتهم حقيبتي، فإذا بأحد رجال أمن المطار يشير إلى حقيبتي لأفتحها، نادرًا ما يحدث هذا، بدون تفكير، قمت بفتحها، فقام هو وزميله بتفتيشها جيدًا! فوجدوا مصحفي، وقد كان عبارة عن 10 كتب صغيرة كل كتاب ثلاثة أجزاء من القرآن، فرفعهم وقال ما هذا؟! فأخذته منه سريعًا وقلت له هذا قرآن كتابي المقدس، فقال لي لمَ تحمل أكثر من واحد، أليس القرآن كتابًا واحدًا؟! لعله ظن أني داعية أقوم بتوزيعهم فأراد أن يستوضح الأمر، ولكن ما غير القانوني في هذا إن كان؟ فشرحت له أن الكتب العشرة هي كتاب واحد مقسم، فنظر إلي نظرة لم أفهم منها غير أنه يحاول أن يراني إن كنت مضربًا أم لا، طبعًا كنت أنظر له مبتسمًا ولا أهتم لما يحدث متيقنًا أنه سيتركني أرحل الآن، وبالفعل، أشار لي بغلق حقيبتي، أنهيت إجراءاتي سريعًا وركبت الطائرة ولم أفكر لمَ استوقفني أنا تحديدًا، وقلت في نفسي تلك إجراءات أمنية عادية، ومن حقهم أن يفعلوها طالما أنها تتم بأدب ولطف، فلا مانع من التجاوب مع رجال الأمن وعدم الانزعاج.

أقلعت الطائرة متجهة إلى ألمانيا، من الطريف أيضًا في رحلة مالطا – ميونخ، أن الطائرة كانت تطير على مسافات منخفضة نسبيًا عن سائر الرحلات، كان هذا واضحًا، فرأيت جزر مالطا للمرة الثانية بوضوح، وجزيرتها الصغيرة تحديدًا، ثم مررنا فوق إيطاليا بطولها ثم النمسا ثم ألمانيا (ميونخ)، كل ما نمر من فوق دولة يتم إرسال رسائل الترحيب من شبكة الموبايل! رسائل بها أسعار التجوال في تلك الدولة، جاءتني رسائل من إيطاليا والنمسا وألمانيا وأنا في الطائرة.

وصلت مطار ميونخ متعبًا للغاية لا أعلم إذا كنت قد أصبت بالبرد أو من إرهاق آخر يومي عمل أو لأني لم أنم جيدًا، لا أعلم، قد تكون كل تلك الأسباب مجتمعة، شعرت أني لست على ما يرام ولا أستطيع التركيز كما ينبغي، خرجت من الطائرة وأنا في طريق لصالة الترانزيت، استوقفني أحدهم من جهة اليسار، ممسكًا بشيء في يده اليسري يريني إياه، ويقول كلامًا لم أفسره، لعل أذني انسدت من ضغط الطائرة، هذا يحدث لي أحيانًا، رد فعلي كان عجيبًا جدًا، قلت له شكرًا شكرًا! وفي نفس الوقت كنت أحاول أن أبعده عن طريقي بيدي اليسرى دون أن ألمسه، تعاملت معه لكأنه أحد الباعة المتجولين الذي يلح على الزبون ليشتري منه! أو كما لو كان واحدًا ممن يوزعون الأوراق خارج المسجد يوم الجمعة وسط الزحام! وأنا أحاول الإفلات منه لأكمل طريقي!

فقدت عقلي تمامًا في تلك اللحظة، والرجل يصر أكثر، ووضع ما يمسكه في يده أقرب إلى وجهي وألح بقوله (بصوت أعلى) بوليس بوليس، فأدركت أخيرًا أنه شرطي وتلك شارته! فاعتذرت له بشدة، وأضفت موضحًا له أني مرهق جدًا ولا أعلم كيف فعلت هذا ورجوته أن يقبل اعتذاري، بعد تجاوز هذا الموقف السخيف بابتسامة عريضة كانت مرسومة على وجه زميله الذي كان بجواره لاحظتها أنا وهو في نفس الوقت، فتلطف الجو سريعًا، طلب مني الباسبور، وأخذ يتفحصه بعناية، فوجد أن عليه الكثير من الفيزات لكثير من الدول التي زرتها عدة مرات، فسألني عن طبيعة عملي، فشرحت له طبيعة عملي وأني كثير السفر في مأموريات عمل خارج البلاد، وأظهرت له الكارت الممغنط لشركتي الذي عليه صورتي وإسم شركتي وشعارها، ففتش حقيبة يدي سريعا، ثم إعتذر لي على إزعاجي، وشكرني على التعاون، لعله إستوقفني لطول ذقني، أدركت انها طالت عندما لمحت نفسي في أحد ألواح زجاج المطار بعدما تركته، لعله قد قام أحدهم بعمل إرهابي تلك الأيام، فقاموا بتشديد الإجرائات الأمنية، فإشتبه في، محتمل.

أكملت طريقي إلى صالة الترنزيت، وقد كان لدي 8 ساعات أقضيهم في هذا المطار، فبدأت أتجول فيه أتفقد كل المحال تقريبا، أدركت أن لا جوازات للخارج، لأن مالطا عضو في الإتحاد الأوروبي، فصالات وصول الطائرات من مالطا، هي إلى الخارج مباشرا! أدركت ذلك بعد أن فات أكثر من ساعتين من الثمانية باقي 6 ساعات، علىّ أن أعود إلى المطار قبل موعد رحلتي إلى مصر بساعتين، إذا ليس لدي سوى أربع ساعات، كنت متعبا جدا لأسف، وقد كان البرد قارسا في الخارج، فقد كانت الرحلة في ديسمبر، والأهم أني لم أخطط للخروج لأني لم أدرك تلك الحقيقة إلا تلك اللحظة، ففضلت البقاء في المطار أتجول فيه عن الخروج إلى المجهول، الخروج في رأيي مغامرة غير محسوبة لا سيما أن الشعب الألماني لا يجيد الإنجليزية، فحبست نفسي تلك الساعات في المطار، وأوروبا كما لو كانت تفتح زراعيها لي مرحبا عبر بوابات مطار ميونخ! ولكني لم ألتفت لها.

ديسمبر يعني الكريسماس، فقد كان المطار مبهج جدا، كل المحال بل كل الأركان والحوائط واللوحات الإعلانية قد تجملت بألوان وزينة الكرسماس إحتفالا وإبتهاجا بقرب قدوم العام الجديد، من أكتر ما لفت نظري نافورة الشكولاتة الضخمة، كانت رائعة بحق، إشتريت بعض الأشياء للذكرى وركبت طائرتي عائدا إلى مصر.

فور وصولي وبعد أن أخذت قسطا لا بأس به من النوم، بحثت على الإنترنت إن كان قد حدث عمل إرهابي قريبا في أوروبا فلهذا السبب إستوقفوني في مطار مالطا وميونخ لطول ذقني، فاكتشفت أن بعض قطارات ألمانيا كانوا قد وجدوا فيه عبوة ناسفة لا أتذكر إنفجرت أم لا، وقد كان هناك تهديدات بتفجيرات أو ماشابة من جماعات إرهابية إسلامية، فأدركت أن هذا كان السبب الوجيه لتلك الاجرائات، على أي حال كان الأمر هين وعدت بسلام. والسلام ختام وإلى اللقاء في رحلات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد