ارتبط علم الاقتصاد في بدايات ظهوره بخلفية تشاؤمية سوداوية؛ نتيجة بحث صغير نشره الاقتصادي الإنجليزي في كتاب بعنوان (بحث في مبدأ السكان سنة 1798) وصاغ فيه نظريته حول السكان، والتي أثارت ضجة كبيرة حينها؛ فقد ربط توماس مالتس في بحثه بين النمو السكاني غير المنضبط، وبين ظهور الكوارث والمجاعات والاضطرابات والأوبئة الفتّاكة، كظاهرة طبيعية تعمل على إعادة التوزان بصورة طبيعية بين الموارد (البيئة) والسكان أو المجتمعات البشرية.

وقد خلص لنتيجته أو قانونه هذا من دراسة وتحليل كثير من الاضطرابات والمجاعات التي مرت بالبشرية حسبما وثّق وإشارة في مؤلفه، وانتهى إلى أن الموارد الطبيعية تزاداد بصورة مضطردة على شكل متوالية عددية بقيم ثابتة بطيئة، بينما السكان يتزايدون بصورة متوالية هندسية أو قيم متضاعفة كل فترة زمنية، والخلاصة أن ثمة فجوة تنشأة بين الطرفين وتزداد اتساعًا بمرور الوقت.

وبالرغم من أن نظرية مالتس لم تأخذ في اعتبارها التطورات التقنية ونتائج الثورة الصناعية فيما بعد، إلاّ أنها في مجملها ملاخظات ثبت صلاحيتها وجدواها على مستوى جزئي (مايكروي) أي على مستوى الاقتصادات النامية الصغيرة والبلدان الفقيرة، فالحاصل أن الكوارث والحروب والأزمات الطاحنة، بل الأوبئة المهلكة من نصيبها دائمًا، والملاحظ أيضًا أن معدلات النمو السكانية بينها كبير لدرجة تختل فيها العلاقة بين السكان والموارد.

لكننا نعي أن المجتمعات البشرية في تطورها من مرحلة الهمجية للحضارة، قد أسلمت قيادها لنخبة حاكمة أُطلق عليها فيما بعد الدولة أو الحكومة أو الكيانات السياسية الحاكمة، في علاقة سُميت فيما بعد عند تفسيرها بالعلاقة التعاقدية، بمعنى أكثر توضيحًا، يتخلى المواطن الفرد عن جزء غير يسير من حريّته نظير قبول آخرين يحكمونه، ليس تفضلًا منهم أو كظلال للإله أو خلفاء له على الأرض، لكنهم مندوبون مفوّضون للبشر بالمجتمع لإدارة شئونهم، ولعل أهم عناصر الإدارة للدولة هنا، تلك التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية والبشرية، وتدبر شئون واحتياجات الناس والعمل على حلّها.

ما نرغب في الوصول إليه هنا، أن وجود الدولة والحكومات ليس قدرًا محتومًا لا فكاك منه، كما أن مشكلات ومآسي البشر بالمجتمعات، صنيعة للدولة أو تأكيدًا لفشلها في إدارة الأمور وقيادة سفينة الوطن (كما يحلو للبعض التشدّق لهذا اللفظ)، فالقيادة والحكم هما (واختصارًا للقول)، ترجمة أمينة لمفهوم الإدارة، وبذا فعندما تنتشر الأمراض والأوبئة والكوارث والأزمات من اقتصادية أو بطالة أو سياسية من غياب عدالة اجتماعية أو شيوع اللامساواة، كلها وغيرها أعراض طبيعية لفشل الدولة لا غير، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن نُحمّل إدارة المرفق الفاشلة، ونتائج سياستها الخرقاء على أصحاب المرفق الأصليين، نظن أن هؤلاء مدانون بسوء الاختيار أو بقبول قيادات فاشلة والتماس العذر لهم دائمًا.

إذن تعمل نظرية مالتس وتسود نزعته التشاؤمية وتتحقق على أرض الواقع وبقوة في البلدان التي تسيطر عليها نخب سياسية وحاكمة فاشلة، وعندما تتحالف فيها رؤوس الأموال مع القيادات الفاشلة وأصحاب السلطة والنفوذ، وقتها أو في تلك اللحظة فقط تعمل نظرية مالتوس بكل قوتها، وتؤتي ثمارها، ويصبح الفرار من الهلاك في الداخل سعيًا للموت في قاع البحر أو بداخل عربات قطار مشتعل بمن فيه، أو انهيار مبنى سكني، أو بسبب الفقر والجوع، أو انتحارًا يأسًا من الحياة، نتائج طبيعية، المترادفات متباينة والنتيجة واحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد