وقتها لم أكن أعرف أن الأوضاع ستؤول إلى ما هي عليه الآن، طلبت منهم أن يسمحوا لي بالانصراف، لكنهم أبوا؛ معللين أنه عُرس. وطالبوني بإحياء دوري – على حد قولهم. كادت وجنتاى تتساقط خجلًا كلما رأيتهن يخرجن مصطفات يرقصن أمام المارة! وتساءلت: لم يفعلن؟! فأجابوني بأن للملوخية مذاقًا رائعا يُذهب الألباب. لم أكن لأمنع أحدًا من أكلها بالطبع، فالأكل حق دستوري يكفله القانون، ويمارسه المجتمع، ويشاهده المارة، وتشجعه أدوات الإعلام.

هكذا قال لي دكتور مادة تاريخ السياسة في الجامعة، قولي: أدوات الإعلام، ولا تقولي: وسائل؛ لأنها الأصح، ولأنني مازالت طالبة تؤمن أن الأستاذ يفهم أكثر، فلابد أن أصدقه، مثلما صدقت أستاذ الثانوية العامة لما أسماها (وسائل)، وأكد لي أنني سأحصل على درجة الامتحان كاملة إذا ما التزمت بتعاليمه. أتذكّر سبابته جيدًا وهي مشهرة في وجوهنا، وعينيه الجاحظتين، يكاد يكشف عن أنيابه وهو ينظر إلينا قائلًا (ما تسمعوش كلام أستاذ غيري).

طعم الملوخية رائع، كما أنها سهلة الهضم، وتحتوي على العديد من الفيتامينات والمعادن الهامة لبناء حياة مستقرة، ومن الصعب أن تجد شخصًا لا يحب الملوخية.

أتذكّر ذات مرة أنني ذهبت لجدتي في وقت غداء، لكنه فيما يبدو كان غير مناسب؛ لأنها شكت لوالدتي فيما بعد أنني كلما جئتها زائرة أضعت عليها فرصة مشاهدة سلسلة حلقات تطور النظرية الصهيوبرازيلية وتأثيرها على التشكيل المقترح لمنتخب مجلس إدارة الكون، وتأثير ذلك على وصول مصر لكأس العالم. لقد أغضبتني كلمات أمي وهي تشرح لي ضرورة الاعتذار لجدتي عما بدر مني، وضرورة مصالحتها بالبحث عن القناة التي تعرض كامل لعبات جون سينا، وما فعله من (سوبلكس) في أندر تيكر! حاولت إقناعها بمشاهدة مسابقات الضباع أو سمكة التونة العنيدة على ناشيونال جيوجرافك؛ ولكنها رفضت؛ لأنها لا تحب الكلمات المعقدة، وتستمتع أكثر بالكلمات العكاشية البسيطة.

طالما تساءلت لماذا يشاهد الناس مثل هذه المعارك؟!ولماذا لا يكتفون بما يرونه في برامج التوك شو، وساحات الطبيخ. وتعجبت كثيرًا كتعجبي لإصرار جدتي دائمًا أن (تشهق) في الملوخية؛ لأن ذلك يجعلها أفضل؛ ولما سألتها لماذا لا أشهق بدلًا عنك؟! أجابتني ساخرة أن الشهقة فن يؤخذ فيه (دكتوراهات). فأصمت!

أنا لا أعرف كيف أصبح ذات خبرة كجدتي وكصديقتي المشيرة علىّ بضرورة بذل الجهد والعطاء! ولكني أسعى جاهدة لأن يكون لي دور في هذا العالم، منذ أن كنت صغيرة لا أملك شعرة في رأسي، وكان شعر صديقتي طويلًا جدًا بحكم سنها الأكبر مني. لما كبرت تبدلت الأحوال بالطبع – كما يتبدل حال الجميع – يقولون إنها سنة الله في الكون، البعض يولد أصلعًا، ثم يصبح له شعر جميل، والبعض يتساقط شعره بعد أن يطول إذا لم يجد العناية المطلوبة. وبالرغم من ذلك تصر دائمًا أن تذكرني بأنه كان لها شعر طويل وقتما كنت صلعاء. أعلم، لقد كنتِ يا صديقتي جميلة، ومازلت، دعك من الماضي، ودعك من شعر الماضي، ودعك مني، فربما يكون شعري مستعارًا، لا يستحق اهتمامك. أما آن الأوان لتسألي: لماذا  لم تصبح شهقتك للملوخية مطيلة للشعر؟ هلا تساءلت عن الكيفية التي شهقت بها  جداتك (نبوية موسى، وبنت الشاطئ، والسفيرة عزيزة) في ملخوياتهن؟ لا، لن تفعلي! إذًا (شات أب يور ماوس دعاء. أند ليسن تو مي).

كما كان يقول مستر طارق مدرس الإنجليزي، الذي أقنعني منذ عقود أن (التوينتي) إذا ما أضيفت عن طريق (البلاس) (للتن) ستصبح (ثيرتي)، وعلى الرغم من نجاحي في الامتحان وقتها، إلا أنني اكتشفت فيما بعد أنها لا تُنطق (توينتي) بل (تويني). واضطررت آسفة لأخذ (كورس) جديد يمكنني من نطق (التويني) وأخواتها بطريقة صحيحة؛ حتى لا أصاب بالإحباط أمام طالباتي اللاتي لا يعرفن من الإنجليزي سوى (الواي فاي) و(الكي بورد)، أو زملائي الذين يتمتعون بقوة خارقة تمكنّهم من وضع جدول الحصص بطريقة شيقة ومحكمة تسمح لجميع العاملين بالتواجد في السوق في أوقات محددة لشراء أعواد ملوخية يمكن زراعتها وحصادها. ولا تمكنني من تناول وجبة الفطور التي لا تصلح الملوخية لها بالطبع، وعندما أزمجر، يرد الجميع كرد جدتي بأن شهقة الملوخية مدارس. فلا أقتنع، ولكني أصمت؛ لأن ألم الأسنان لن يُشفى سوى بخلع ضرس العقل، الذي أخبرني الطبيب أنه سيكلفني مرتب شهر كامل، وأنه يتوجب علىّ خلال هذه الفترة التوقف عن الثرثرة وعدم الاعتماد على الأكلات التي تحتاج للمضغ، وأن أكتفي بالأكلات سهلة البلع، ورشح لي الملوخية كحل مثالي لحالتي.

حالتي ليست سيئة إلى هذا الحد؛ فلقد شاهدت تقريرًا على (CNN) الأمريكية يؤكد أن فخامة الرئيس دونالد ترامب شخصيًا عانى هو الآخر ذات يوم من وجع الأسنان، ولكني أعتقد أنه بعد أن أصبح رئيسًا حصل على بعض من المساعدات التي مكّنته من خلع ضرسه، ومن ثم التغلب على الوجع. فغالبًا يصبح هذا الوجع من سمات العظماء. كما يطلقون على مواليد أكتوبر، أكتوبر شهر عظيم، ولعظيم النسب إليه، ينسب الآباء أبناءهم له، بالرغم من ولادتهم في غيره؛ ليجدوا مكانًا فارغًا في سجلات العام الدراسي الأقرب؛ ما يجعل مهمة معايدة أصدقائك من مواليد واحد أكتوبر مهمة مستحيلة. لم أفلح فيها قط، كما لم أفلح في تعلم طبخ الملوخية، وفيما يبدو أن وجع ضرسي سيصاحبني كثيرًا، وعليه فقد قررت النوم لأحلم بعالم سعيد،  فمنذ استيقاظي قبل ساعة ثمة صوت غريب يرتطم بجدران عقلي يصرخ كالدرويش: (لا شيء يُعجبني.. أريد أن أبكي)، فيقاطعه آخر: (ما فيش غير الملوخية)!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ملوخية
عرض التعليقات
تحميل المزيد