عبد القادر بن مسعود

6

عبد القادر بن مسعود

6

لطلما كنت أهوى الكتابة في السياسة والتاريخ وما بينهما، وإن أُجبرت أو خُيّرت أن أحيد عما أهوى كتابته، فستكون أمي هواي في هذه الحياة ما سأكتب عليه، وحتى أكتب عن أمي يلزمني الاستعانة بأبجديةٍ أخرى، لا لشيء إلاّ لأن أمي ليست ككل النساء، بل هي اختزال لكل النساء. علمتني أمي أن أكتب، وأتكلم، وعلمتني كيف أكون رجلًا مثل أبي، اسم أمي (ذهيبة) ولو اجتمع ذهب الدنيا وكنوزها ما أخذ نظري للحظة مقارنة بوجهها، فاختارت أن تسميني (عبد القادر) تيمنًا بالأمير عبد الجزائري، والعلامة الشيخ عبد القادر الجيلاني، لكن في حقيقة كما أخبرتني سيدة النساء أمي أنّها اختارت اسمي على اسم من كان في لحظة ولادتي يتوج فارسًا للقرآن «أحد أقربائي»، ولا أذكرُ أني لم أحبّ اسمي يومًا لأني حسبتهُ منذُ زمنٍ بعيد خليطًا شكّل شخصيتي، فشُكرًا أمي.

أمي التي تدمعُ عيناها إن قرأت مقالًا أو منشورًا مقلقًا، خصوصًا أني كثير الصراحة في ما أكتبه عن وطني، وعن سائر أوطان العرب. وأنا لا أريدها أن تبكي مُطلقًا. أحسبُ أن أمي فردوس، إن بكت لن يكونَ غيثُهَا إلاّ كوثرًا تنبتُ على ضفافهِ سنابلُ من نورٍ وحدائقُ ذات غلبة، لا يمكنني أن أتحدث عن أمي دونَ أن أنحاز، فأمي أصلُ الأشياء ومنبعها وباقي الأشياء تقليد،أكادُ أجزم أن اللّه عزّ وجلّ يحبُ أمي، وأجزمُ أيضًا أنها لفرطِ بياض قلبها كبياضِ يدهَا ستكون سيدةً من نساء الجنة، ثمّ لن يضاهيهَا في الحسنِ آنذاك أحد. فاللّهم متّع أمي بما أنت أهله، ومدّ في عمرهَا، وبارك لها ولنا فيه.

أمي ككلِ أمهات المسلمين تقول لي وإخوتي الأربعة «إن الله ما أعطاها بنين مثل الناس» والأكيد في قرارةِ نفسها وأمامَ من صادفها من الناسِ تدافعُ عنَا، وتقفُ للكلِ كالجبل الشامخ،أمي شفافةٌ لدرجةِ أنك تستطيعُ قراءةِ نبضها لتجد جميع إخوتي متعانقين فيه.

أمي قلبٌ يشبهُ عبق الزهور، يميزُ الطيبَ ويجعلُ منهُ وردًا ينفثُ فينطلقُ النحلُ بأطيب الرحيق للعالم أجمع، يدُّ أمي البيضاء خيّرة، وعطاؤها غيثٌ وفير مبارك، تساعدُ كل من يحتاج ومن لا يحتاج، وفي قاموسها لا توجد كلمة لا!أمي لا ترضى ألا تساعد فقيرًا ولا تقبل أن يقال إنهَا ما بسطت يدها لسائلٍ يومًا، تذهبُ إلى كلُ مكانٍ تدعى إليه محملةً قبل المالِ والمؤونة بقلب مُحِب حنون، أمي تبكي في الطاعات وتمدُّ يدها تدعو فتهطل الأمطار، لا أعرفُ عدد الناسِ الذين يدعون لأمي كل يوم، ولكني أعرفُ أن أمي لا تنسى أحدًا!

أمي امرأةٌ تعرفُ ما ترغب فيه دومًا حتى وإن كانت مترددة أحيانًا، وقراراتها في الحياة عادةً ما تكون نافذة، فإنّها لم تقبل يومًا بأي رجلٍ يطرقُ بابهَا، ولكن عندما جاء أبي أدركت بحدسها أنهُ الرجلُ الذي يجبُ أن تكمل معهُ حياتها، فكان أبي قمرًا وأمي سماءً يتبادلان الأدوار، فكُنّا أنا وإخوتي النجوم التي زينت هذا الكون.

أمي هذه الأيّام في رحلة عمرٍ إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك العمرة، قد تقرئين كلماتي من خير الأماكن تقديسًا، لكنّك ستبقين أكثر القداسة في حياتي، أمّي أريد أن أخبرك أنّي ما أحببت وما سأحِب إن كتب الله غيرك. فتقبل الله عمرتك، وتقبلني الله خير بار بكِ، كل عام وأمي بخير، ومعها كل أمّهات المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك