من بين كل معارفنا هناك من يرتقي إلى مراتب عليا في قلوبنا، وهناك من يحل محل أي عابر سبيل لا يلتفت إليه أحد، من بين كل هؤلاء لا أجد إلا أمي، فتكاد الأمكنة تنعدم في قلبي إلا لها هي، أمي هي الشخص الوحيد الذي لا أستطيع أن أصبر على فراقي معه، عندما يقترب موعد السفر إلى دراستي التي توجد في مدينة أخرى تتداخل في فؤادي مشاعر مختلطة وكثيرة، حتى في المرة العشرون التي أسافر فيها تنتابني الأحاسيس ذاتها كلما هممت أن أفارق مهجة روحي.

في كل مرة أحاول أن أستجمع قواي وأحدث نفسي بأنني لست صغيرة إلى تلك الدرجة التي تسمح لي بهذا التعلق المفرط، ولكن حديثي مع نفسي يبوء بالفشل دائما. فألعن هذه الهشاشة التي زرعت في قلبي وعظامي، وأتمنى صادقة لو كان لي قلبا قاسيا لا يئن ولا يحن لشجر أو حجر.

إنني لا أحب هذه الأحاسيس ولا أكرهها ولكنني أتوجس منها كثيرا، وأفعل كل ما بوسعي كي لا أشعر بها. كمن بلع حجرة فتوقفت في أعلى حنجرته هو هذا الشعور، لا تستطيع بعدها أن تأكل أو أن تشرب أو أن تشعر بنفسك حتى، ويكأنك فاقد للوعي وتسمع وترى في الآن نفسه!

وأنا منصبة في التفكير في مشكلتي كلما أردت أن أفارق أمي، أتذكر في خضم هذا التفكير أنها هي أيضا قد تركت والديها لتلتحق بأسرة جديدة، لتصبح مسؤولة عن بيت بكامله لا أحد أفراده فقط، وأنها لا تستطيع أن تذهب متى أرادت إلى بيت أمها كما أفعل أنا!

إننا ننظر لأمهاتنا على أنهن سيدات خارقات، حديديات، وأحيانا نتخيل أنهن بدون مشاعر حتى! – على غير وعي منا – فكلنا نلقي جل مسؤولياتنا على عاتق أمهاتنا في حين لا نفكر في أنهن يحتجن إلى مساعداتنا أيضا، وأنهن يحتجن لمن يربت على أكتافهن ويذكرهن أنهن لسن وحدهن في هذا العالم.

إننا نؤمن في أعماقنا أن الأم كائن لا يزعزعه شيء، لذلك نفكر دائما في أنها سليمة ومعافاة لا تعاني من أي شيء، نلجأ إليها في الكبيرة والصغيرة وحين يتملكنا اليأس من كل شيء حولنا! لكن هل فكرنا بأن أمي يمكن أن تكون قد تملكها اليأس والتعب هي أيضا؟ لا، لم نفكر في هذا قط!

ونحن نتبادل أطراف الحديث أخبرتني أمي مازحة لقد تعبت من أن أكون «ماما»، ضحكت حينها لأننا في سياق متصل بالضحك ولم أعر ما قالته أمي اهتماما كبيرا! عندما أرجع قرص ذاكرتي إلى الوراء أفهم ما تقصده أمي.. إنها تريد أن تكون لها هي أيضا «ماما» تلقي على عاتقها كل المسؤوليات فتصبح حرة طليقة.

تريد أن تكون لها «ماما» تساندها هي أيضا فيما تفعله وتقوم به من واجبات، ماما تضع رأسها على كتفها لتنسى العالم ؛ إن كلمة «ماما» تخبئ في طياتها معان عديدة، إنها كلمة مريحة تعني أرجوك ربتي على كتفي بحنان، أرجوك اعتني بي، أرجوك لا تتركيني أضيع وقفي معي سواء كنت على حق أو على خطأ، أرجوك ثقي بي وكوني معي دائما.

أماه مهما كتبنا لك وسبكنا من أحرف منمقة ومرصعة، ومهما قلنا فيك من عبارات الإجلال والإكبار فمحال أن نوفيك حقك.. والحال هكذاـ، لا أجد إلا قول الشاعر:

أماه لو كان عمرك بيدي *** لزدته ولو كان فيه فنائي.

أماه لو كان أمري بيدي *** لرفعتك لعنان السماء

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب, السيدة, ماما
عرض التعليقات
تحميل المزيد