ليست مجرد أسماء، بل هي حياة لكل اسم تم وضعها في حالة سكون لفترة زمنية تتراوح بين عامين إلى خمسة وعشرين عامًا، والتي قد تخرج منها حياة مشوهة وإرادة منكسرة. كنت أتمنى أن يتسع العنوان لأسماء أكثر من ستة وثلاثين ألف محتجز ومحتجزة في السجون على خلفية التظاهر والمعارضة السياسية، طبقًا لحصر ويكي ثورة.

 
من المؤلم أن يتحول أي إنسان إلى مجرد رقم للحصر والإحصاء، وينسى الجميع أن وراء كل اسم هناك حكاية لم تكتمل، وأحلام لم تتحقق وأسرة لا تتجمع وقلوب لا تهدأ في انتظار الحرية لمن طالبوا بها فكان الاعتقال مصيرهم.

 
هؤلاء الشباب لم يرتكبوا أية جريمة تُذكر، لم ينهبوا أو يفرطوا في ثروات الوطن ولم يعذبوا المواطنين في الأقسام، لم يوزعوا الأراضي على المحاسيب ولم يزوروا الانتخابات، لم يقتلوا المتظاهرين المعارضين لهم ولم يستغلوا مناصبهم الرسمية للتربح غير المشروع، لم يستوردوا البذور المسرطنة ولم ينشروا الجهل والمرض والفقر في المجتمع، لم يقتلوا الناس في قطار محترق أو عبارة غارقة ولم يصدروا الغاز للكيان الصهيوني. بل كانت جريمتهم الوحيدة هي الاعتراض على كل ما سبق فكان جزاؤهم السجن.

 

هناك من تم اعتقالهم من على “القهوة” من أمام الجامعة، وآخر كانت تهمته شعار ملصق على مسطرته، وهناك من اتهموهم بالمشاركة في “سبوع”، وآخرون تم اعتقالهم أثناء توجههم للعزاء، وهناك من كانت تهمته حيازة كتاب، وأخرى تهمتها أنها تضع دبوسًا على طرحتها، وهناك من كانت تهمتهم حضور حصة في مركز تعليمي، وآخر اتهموه بعمل “لايك” لصفحة على “الفيسبوك”، وكثير من أسباب الاعتقال التي تخجل الدفاتر الرسمية من تسجيلها.

 

أتذكر مقولة الراحل محمد يسري سلامة منذ ما يقرب من عامين “عما قريب سيجتمع الشرفاء من الإخوان والإسلاميين مع الشرفاء من جبهة الإنقاذ وغيرها في السجون والمعتقلات وحينها سيتسنى لهم مناقشة خلافاتهم جيدًا”.

 

 

وأري السجون تضم كل طبقات المجتمع والأطياف السياسية فتجد طالبًا ثانويًّا وطالبًا جامعيًّا ودكتورًا وعاملًا ومحاميًا وفلاحًا ومهندسًا ونجارًا وصحفيًّا ودكتورًا جامعيًّا. لم يفرق الاعتقال بين شاب أو فتاه وبين ليبرالي أو إسلامي أو اشتراكي أو علماني، وجمع بينهم الظلم بصرف النظر عن الانتماءات السياسية إن وجدت والتوجهات الفكرية والعقائدية. بل إن هناك حوالي سبعمائة طفل تحت الاحتجاز على خلفية المعارضة أو التظاهر.

 
هنالك خلل كبير في المشهد بأكمله جعل حُمى الانتقام والتشفي تسيطر على الغالبية العظمى وجعل الظلم السائد من طبائع الأمور والخوف من المستقبل هو البطل الأول والأخير، وأصبحت المطالبة بالحق والانحياز له دربًا من دروب الجنون.

أكثر من ستة وثلاثين ألف إنسان يدفعون الثمن من حريتهم وينال احتجازهم من سمعتهم وتهدد تهمتهم مستقبلهم، منهم أب وأم وخال وعم وأخ وأخت وزميل وزميلة وصديق وصديقة وجار وجارة، كم هي عظيمة وكبيرة كمية الألم والمرارة التي تعتصر قلوب أسرة كل معتقل وأصدقائه وزملائه وجيرانه والتي ترسم حجم الدائرة المتسعة من السخط والغضب التي تمسنا جميعًا كل يوم بشكل أو بآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد