اعتمد الصالح نجم الدين أيوب (ت647هـ) – السلطان الأيوبي قبل الأخير في مصر- على عنصر جديد في جيشه الأيوبي المكون من الأكراد والتركمان والعربان، وهو الترك؛ فقد كلف عددًا من تجار الرقيق لشرائهم من مظان إقامتهم وظعنهم في آسيا الوسطى، وكان لظهور المغول واصطدامهم بالخوارزميين منذ سنة 616هـ سببًا في عمليات هجرة منظمة لهؤلاء الأتراك من الشرق للغرب، فضلاً عن وقوع كثير منهم في الأسر ومن ثم عرضهم للبيع والشراء في أسواق النخاسة، مما أتاح للأيوبيين أن يستجلبوا هؤلاء، ويعتمدوا عليهم في صراعهم الداخلي المحموم منذ وفاة العادل الكبير (ت615هـ)، وكان أكثر من اعتمد عليهم هو حفيده الصالح أيوب كما ذكرنا.

دخل هؤلاء المماليك في الجيش الأيوبي المصري وسُموا باسم المماليك البحرية ، وأثبتوا جدارة في استخلاص الشام للصالح، ثم طرد الصليبيين من القدس في معركة الحربية بغزة أو “لافوربيه”، ثم في الحملة الصليبية السابعة على المنصورة، وفي تلك اللحظة الحاسمة من أوج الانتصار والزهو المملوكي، توفي الصالح أيوب، ورأت تلك الفرقة المملوكية في الجيش الأيوبي أنها الأحق بالولاية والسيادة والسلطنة خاصة في ظل سياسة السلطان الأهوج توران شاه الذي ارتآهم خطرًا يُهدد ملكه وسلطانه، فقد أعلن عزمه القضاء عليهم، لكن المماليك كانوا أسرع يدًا، وقدرة منه.

ومنذ بدايات العام 648هـ، بدأ المماليك في إرساء قواعد دولتهم الجديدة؛ على أنهم ظلّوا يتكئون على تلك النظم القديمة التي ترسّخت في ظل دولة أسيادهم الأيوبيين، وإن أضافوا عليها بعض الأمور فيما بعد.

إن أهم ما قامت عليه الدولة الجديدة هو النظام الفروسي والعسكري الفريد الذي اتسم بالدقة والنظام في معظم مراحل دولتي المماليك الأولى والثانية، ذلك أن دولة المماليك كانت دولة عسكرية من الطراز الأول؛ وعوّل سلاطينها الأوائل على إثبات تلك الحقيقة من خلال الصدام العسكري مع المغول والصليبيين في النصف قرن الأولى من عمر هذه الدولة، فاحتاجت دولتهم إلى نظام عسكري صارم، ونظام إداري قوي، وإمداد لا ينقطع من البنية الأساسية للطبقة المملوكية الحاكمة، من خلال تأمين جلب المماليك من بلاد القفجاق والترك بآسيا الوسطى، وغيرهم من الرقيق الأبيض في جنوب روسيا والقرم وغيرها، لذا اتسمت العلاقات السياسة مع الدولة البيزنطية الوسيط الأساسي في جلب هؤلاء الرقيق بالمتانة والمودة.

إذن جيء بالمملوك وهم الرقيق الأبيض من وسط آسيا في رحلة شاقة إلى الدولة البيزنطية أو جنوب الأناضول من خلال تجّار الرقيق ممن أُطلق عليهم – غالبًا- لقب “الخواجا”، وبدأت الأيدي المملوكية تتهافت على شرائهم في مناطق التماس الشمالي كمَلَطْية أو حلب أو عينتاب أو حتى في عمق الأراضي المملوكية في دمشق والقاهرة وغيرها، فما الخطوة التالية لعملية الشراء؟!

الخطوة التالية تتمثل بحسب المُشتري، فإن كان أميرًا مملوكيًا كان لزامًا عليه أن يعلّمهم ثقافة الدولة التي نزلوا بها، فقد كان هؤلاء المماليك يجهلون اللغة العربية، لذا فتعليمهم اللغة العربية وبعض المبادئ الأساسية للدين الإسلامي من القرآن والسنة النبوية وبعض العلوم الشرعية القائمة عليهما هي الخطوة الأولى، ثم بعد ذلك تبدأ عملية تعلم الفنون العسكرية من الضرب بالسيف، والطعن بالرمح، والرمي بالسهم وغير ذلك.

أما إذا كان الشاري هو السلطان المملوكي، فهذا يعني إنزال هؤلاء المماليك في “طِباق” القلعة، وهي بمثابة “الكليات الحربية” في عصرنا الحاضر، وهؤلاء لهم نظام تربوي وعسكري صارم.
قامت هذه الطِباق في بداية الأمر بساحة الإيوان بقلعة الجبل، وهو مقر الحكم واستقبال كبار السفراء والضيوف وغير ذلك، واشتملت كل طبقة من هذه الطباق على مساكن تتسع لألف مملوك، حيث يظل بها المملوك “برسم الكتابة” أي لتعلم الكتابة، حتى يقرر القائمون على هذه الطباق متى يكون صالحًا للتخرّج، ومن ثم العَتق .

على أن الناصر محمد بن قلاوون قرر جعل هذه الطباق في مكان واحد، فبلغ عددها اثنتي عشرة طبقة، سُميت كل طبقة منهم باسم الخادم “الطواشي” القائم بها، أو الأمير، أو “الأغا” .
ويكشف العلامة المقريزي طرق ووسائل تربية المماليك في طباق القلعة، وخلاصته أن النظام المملوكي كان يشترط على تجار الرقيق بشراء المماليك الصغار فقط، ثم يُبدأ معه فيما اصطلح العرف على تسميته برسم الكتابة، وهو أن يحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ولكل طائفة فقيه يحضر إليه كل يوم، ويأخذُ في تعليمها القرآن والخط وآداب الشريعة والصلوات والأذكار؛ فإذا شب الواحد من المماليك، علّمه الفقيه شيئًا في الفقه وأقرأه فيه مقدمة، فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ معلم في تعليمه أنواع الحرب من رمي السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيبلغ مرحلة التخرّج “العتق” والاندماج في رتب الدولة ووظائفها بعد أن تهذّبت أخلاقه، وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ ساعده في رماية النُشّاب “القوس”، واللافت أن بعض هؤلاء المماليك استمر في دراسته الفقهية أو المدنية، فصار منهم الفقيه والأديب والشاعر والمحاسب وغير ذلك .

وينبغي التأكيد على أن هؤلاء المماليك الذين تخرجوا من طباق القلعة واشتركوا في نهضة الدولة المملوكية الأولى والمسمَّوْن ب”الكتابية”، يختلفون كل الاختلاف عن مماليك الدولة الثانية “الجلبان” أو “الأجلاب” الذين جيء بهم كبارًا جُهّالًا، ولم يندرجوا في ظل النظام العسكري والتربوي الذي قعّدته الدولة الأولى، وتم التهاون معهم مما تسبّب في زعزعة استقرار بل وسقوط دولة المماليك الجراكسة بالكلية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سنقف مع أسباب إطلاق "البحرية" على هؤلاء المماليك في بداية الباب الأول.
خطط المقريزي 3/372.
عبد المنعم ماجد: نُظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر 1/16.
خطط المقريزي ، والعريني: المماليك ص88، 89.
خطط المقريزي 3/373.
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد