يبدو أن اسم شارع سليم الأول الممتد في قلب حلمية الزيتون لم يعد مناسبًا لرؤساء الهيئة العامة لأسماء الطرق والكباري، إن كان هناك حقًّا هيئة بهذا الاسم ولها رؤساء؛ لأن رؤساء هيئة أخرى لا يعلمها إلا الله وربما نعرفها جميعًا، أصبح أحد أهم أولوياتها تقديم صياغة جديدة للمفاهيم الوطنية والقومية، من خلال تقديم أعمال فنية تتناول شخصية السلطان العثماني سليم الأول وكأنه الغازي والمحتل الوحيد الذي دهس بخيوله أراضي تلك البلاد، والناهب الوحيد لخيراتها. وتتلخص تلك المحاولات الجديدة لتقديم صياغات تاريخية قديمة في أن مصر تخلفت بسبب الغزو العثماني، وأن مصر المملوكية كانت قبل العثمانيين قوة عسكرية عظيمة ذات سيادة على المنطقة، وذلك بالتأكيد في إطار محاولات غير متماسكة لتقديم صياغة متماسكة لهستريا الوطنية التي نعيشها على مدار السبع أعوام الأخيرة، ويبدو أن استدعاء ذلك من التاريخ جاء على خلفية التناحر السياسي مع تركيا.

ومع أن هذه الصياغة التاريخية تحمل من الحقيقة الكثير، فإنها تواجه مشكلات كثيرة، أولها أن حكام المماليك كانوا جُلبانًا أتراكًا وجراكسة وصلوا إلى مصر من آسيا الوسطى، استغلوا الظرف التاريخي وانقضوا على السلطة ثم بدأوا في تشكيل وإعادة إنتاج طبقة العسكر الحاكمة التي تسلطت على مقاليد البلد ومواردها، وأحصت على المصريين أنفسهم.

وينقل لنا ابن خلدون في مقدمته، الذي زار مصر في نهاية القرن الرابع عشر، «إن المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك كان مجتمعًا يقوم على بناء طبقي حاد؛ فثمة طبقة من الحكام العسكريين لهم كافة الحقوق واﻻمتيازات، ولهم حق اﻹدارة والحكم، فضلًا عن أن الموارد العامة كانت بحوزتهم بحكم القوانين التي نظمت العلاقات داخل الكيان اﻹقطاعي العسكري، الذي جسدته دولة سلاطين المماليك».

وبرغم أن ابن إياس يرد هزيمة المماليك أمام العثمانيين إلى الانتقام الإلهي بسبب ما ارتكبوه من مظالم؛ فيقول: «ولم يقع قط لأحد من سلاطين مصر أنه وقع له مثل هذه الكاينة ومات تحت صنجقة في يوم الحرب، وانكسر على هذا الوجه أبدًا… وكان السلطان والأمراء ما منهم أحد ينظر في مصالح المسلمين بعين العدل والإنصاف، فردت عليهم أعمالهم ونياتهم، وسلط الله تعالى عليهم ابن عثمان حتى جرى لهم ما جرى».

إلا أن عوامل الانهيار كانت تنخر فى جسد الدولة قبل ذلك بسنوات، إذ كانت مصر ـ دولة ونظامًاـ في أواخر القرن الخامس عشر أوائل السادس عشر الميلاديين، تعيش مرحلة أفول؛ ففي الأفق كانت تتجمع ملامح نهاية عصر، وبداية عصر جديد، ولم تكن دولة المماليك لتتحمل البقاء كثيرًا، ولم يكن هناك بديل داخلي في مصر قد اختمر بعد بالقدر الكافي لإحداث تَغير جذري؛ على الرغم من ظهور بوادر أولية لمثل هذا التَغيُر، ومن هنا كانت النهاية المحتومة على يد طرف خارجي جديد، تلك النهاية التي قطعت الطريق على إرهاصات التطور الداخلي للمجتمع، وأنهت إرهاصات التَغيُر كالعادة بإحداث تغير جبري من عسكر جدد استولوا على السلطة.

لكن المحاولات اللانهائية للبحث عن صياغة تاريخية ما، تضمن احتواء الوعي الجمعي داخل قالب العظمة والوطنية، لا تتوقف عند المماليك الجراكسة فحسب، إنما تظهر جلية في شبة الإجماع على أن محمد علي باشا هو مؤسس الدولة المصرية الحديثة، ورغم أن المصريين فرضوه على الباب العالى واليًا فى انتفاضتهم ضد خورشيد باشا، ورغم محاولات محمد علي للتخلص من سطوة سلطان العثمانيين على مصر، يظل محمد علي حاكمًا أجنبيًّا تسلط على مقتضيات الحكم والاقتصاد بموجب تبعيته لإسطنبول، سخر المجتمع والاقتصاد لتنفيذ أمجاد شخصية بفرض صورة جبرية للحداثة، وحصر التغير في التحديث التقني.

وقد يفتح هذا الباب لاجتهاد صياغة تاريخية أخرى، وهي انتماؤنا للمصريين القدماء أصحاب الحضارة العظيمة التي لم تخل أيامهم بالتأكيد من القادة العسكريين المهرة. وقد نتصور أن تلك الصياغة لا خلاف عليها، إلا أنها تلقى امتعاضًا كبيرًا بين شرائح كبيرة من المصريين بعدما زحف إلى عقولهم التصور الديني البترولي بفضل خضوع مماليك العصر الحديث لأسيادهم.

أمام هذا التضارب غير المنطقي لمحاولة قولبة الوعي المصري والسعي لتقديم صياغة أحادية تضمن وحدة جماعات بشرية تسكن تلك المنطقة الجغرافية، جماعات متنوعة الأعراق والأديان واللغات بشكل يصعب حسمه، عبر سنوات من الهجرات والاختلاط، والمجاعات والأوبئة، التي أعادت تشكيل سكانها لعدد لا نهائي من المرات، يألف مدرسو التاريخ في مدارسنا منذ الخمسينيات الصياغة القاتلة القائلة بأن مصر محتلة منذ نهاية الأسرة الثلاثين الفرعونية، يحكمها الأجانب حتى حررها جمال عبد الناصر.

كل هذه محاولات شديدة الخطورة لتكوين حزمة شديدة التناقض والرجعية من التصورات والانحيازات، لمحو أي دلالات للمعبر الوحيد الآمن لهذا البلد، البلد الذي لن يحيا إلا عبر ممرات من التناغم بين كل تلك الحضارات والثقافات والأجناس، التى كانت وما زالت تشكل الوجدان الجمعي لسكانه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد