تُعدّ معركة عين جالوت (رمضان 658هـ/سبتمبر 1260م) التي وقعت بين المغول والمماليك في فلسطين معركة مفصلية في التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم بشكل عام؛ ذلك أنها أوقفت تمدد المغول الجارف الذي استمر لمدة 40 عامًا متواصلة، بدأه جنكيز خان من عاصمته قراقورم في منغوليا وانتهى بانكسار الموجة في عين جالوت، وإن ظل المغول يكررون المحاولة عقب تلك الهزيمة لمدة نصف قرن أخرى، لكنها لم تنجح في كل الأحوال.

إن المغول قومٌ سكنوا في منطقة شمال الصين ومنغوليا حاليًا، وقد كانوا مجموعة من القبائل الرعوية، تمكن الفتى تيموجين “جنكيز خان” وقبيلته من توحيدها بقوة السيف، ثم ما لبث أن انقضّ على جيرانه في الصين ثم الخوارزميين المسلمين بداية من سنة 616هـ، وتمكن أولاده وأحفاده من بعد وفاته سنة 624هـ من استكمال مسار فتوحاته.

فسقطت الهند وإيران وبلدان وسط آسيا وجنوب روسيا حتى وصلت جحافل الجيش المغولي الأول إلى شمال البحر الأسود في كل من أوكرانيا وبلغاريا اليوم، وجحافل الجيش المغولي الجنوبي إلى العراق والشام وجنوب الأناضول، وانكسرت هذه الموجة في عين جالوت على يد المماليك.

لقد كان المماليك قومًا من وسط آسيا، فهم من جنس المغول العام وهم الترك، جيء بهم إلى الأيوبيين ليتخذوهم وفق نظام عسكري صارم درعًا يواجهون به أعداءهم، ثم ما لبث هؤلاء المماليك أن انقلبوا على آخر السلاطيين الأيوبيين في مصر (توران شاه بن الصالح أيوب ت648هـ)، وأصبحوا سادة البلاد بلا منازع.
لقد كان المماليك أثناء الغارة المغولية على الشام (657 – 658هـ) في العام العاشر من قيام دولتهم الوليدة في مصر منهمكين في ترتيب البيت الداخلي، وفي العداء مع الأيوبيين في الشام المتطلعين لاسترجاع مصر من قبضة مماليكهم، وقد هالهم ما أحدثه المغول في آسيا وجنوب أوروبا من انتصارات ساحقة على كل أعدائهم، بل وتمكنهم من إسقاط الخلافة العباسية في بغداد، وقتل الخليفة المستعصم، بل وقتل ما يزيد عن نصف مليون بغدادي، لذا حينما جاءتهم رسالة كتبُغا – القائد السياسي للمغول في الشام – بأن يخضعوا لسلطان هولاكو أراد فريق منهم الرضوخ والإذعان لعدم قدرتهم على مجابهة هذا الخطر العاتي.

لكن رجلين فقط هما اللذان تزعّما رفض الانصياع للمغول، وتناسيا خلافاتهما المرحلية، وهما السلطان الثاني من سلاطين المماليك المظفّر سيف الدين قطز (ت658هـ) والقائد العسكري المحنّك، وزعيم المماليك البحرية في الجيش المملوكي ركن الدين بيبرس (ت676هـ).

لقد لجأ ركن الدين بيبرس إلى الأيوبيين في الشام مع عدد من أمراء المماليك البحرية عقب قتل كبيرهم فارس الدين أقطاي، وحينما تفرّغ المغول من السيطرة على العراق وبدؤوا في الهجوم على الشام، فاجأه العجز الكبير في التخطيط الأيوبي، والخور عند سلطانهم الناصر الثاني الذي ترك دمشق عاصمة مُلكه وهرب باتجاه فلسطين تاركًا بلاد الشام مسرحًا مستباحًا للمغول.

حينها حنق بيبرس على هذا المشهد المخزي، حيث لا تخطيط ولا شجاعة الدفاع عن بلاد المسلمين ورعاياهم، فاضطر إلى التصالح مع خصمه القديم قطز لمواجهة هذا الخطر، والتقت وجهتا نظرهما حول ضرورة القتال والمواجهة، فإن ظفروا فهو النصر، وإن انهزموا فلا تثريب عليهم أمام الله والناس، وهو الأمر الذي اقتنع به السلطان قطز، وبدأت التجهيزات الأولية لمجابهة المغول وكانت:

1- عقد مجلس الحرب، وهو ما يُعرف اليوم بمجلس الأمن القومي، برئاسة السلطان المملوكي وعضوية أتابك العسكر (قائد الجيش) والخليفة العباسي الجديد في القاهرة وقضاة المذاهب الأربعة وأمراء المئين الذين بلغ عددهم أربعة وعشرين أميراً ، وهم رؤساء الأفرع الأساسية في الجيش المملوكي، وتنفيذ ما يتمخّض عنه.

2- ضرورة ملء خزانة الدولة للإنفاق على هذه الحملة العسكرية، وتأمين المجهود الحربي، فضلاً عن تأمين احتياجات المجتمع من المواد والسلع والمحاصيل الإستراتيجية، وكان جمع هذه الأموال من خلال ما يلي:

3-  فرض الضرائب، مثل: الاستمرار في فرض ضريبة “تصقيع الأملاك وتقويمها وزكاتها، وأخذ ثلث الزكاة مقدمًا ودينارٍ على كل إنسان؛ فبلغ ذلك في كل سنة ستمائة ألف دينار مصرية” .

أ‌- أخد أموال حاشية الملك الناصر الأيوبي نكاية في هروبه وانسحابه أمام المغول، فأخذها قطز من زوجة الناصر وكبار رجاله من القيمرية الذين جاؤوا إلى مصر، فقد “قبض (قطز) على الأمير جمال الدّين موسى بن يغمور واعتقله بقلعة الجبل، وصادر كل من وصل إليه من غلمان الملك النَّاصر وكتّابه، وأخذ أموالهم، وألزم زوجة الملك النَّاصر بإحضار ما عندها من الجواهر، فأخذ منها جوهرًا كثيرًا، وأخذ من نساء الأمراء القيمرية أموالاً جمة وعاقب بعضهنَّ” .

ب‌- تنازل الأمراء عن بعض وسائل رفاهيتهم من الذخائر والذهب، امتثالاً لفتوى العلامة العز بن عبد السلام التي أمر فيها الأمراء وكبار رجال الدولة بإخراج ما لديهم من الأموال الزائدة للإنفاق على الجهاد قبل أن يأخذوا شيئًا من العامة.

ت‌- الاستيلاء على ريع بعض الأوقاف بصورة استثنائية اضطرارية، مثل ريع أوقاف المدينة المنورة في مصر؛ فقد ذكر المؤرخ الحلبي كمال الدين بن العديم (ت660هـ) في معرض حديثه عن ترجمة أحد العلماء المجاورين في المدينة المنورة وهو أبو العباس الحوراني أن أمير المدينة المنورة قد أرسله في أواخر ذي القعدة من سنة 658هـ إلى قطز كي يرد أوقافها، فوجده قد قُتل واجتمع بخلفه بيبرس الذي أطلق هذه الأوقاف مرة أخرى .

4- قتل رسل المغول الذين أرسلهم كتبغا القائد المغولي في الشام إلى المماليك في مصر؛ وكان قتلهم رفعا للروح المعنوية للجيش والمجتمع.

5- فتح باب التطوع أمام العامة واستقدام بعض القبائل العربية التي كانت تابعة لديوان الجيش الأيوبي من قبل، والمملوكي الآن بقيادة أمير أمراء العرب شرف الدين عيسى بن مهنى بن مانع ، فضلاً عن الاستفادة من عناصر الجيش الشامي الذين لجؤوا إلى مصر من الأيوبيين ممن اشتُهروا بالنزاهة بقيادة الملك المنصور ملك حماة والأمراء الأكراد والقيمرية والتركمان والشهرزورية .

6- تحييد الصليبيين في المدن الساحلية في لبنان وفلسطين عن هذه المعركة، وكان صلاح الدين قد توفي ولم يتمكن من دحر إماراتهم الصليبية في الساحل الشامي، وتحذيرهم من مواطأة المغول على القوات المملوكية، وهو الأمر الذي تأكد منه قطز من خلال دخوله على رأس جيشه إلى عمق النفوذ الصليبي في تلك البقاع للتأكد من تعهدهم، والحق أن الصليبيين كانوا أقرب إلى المماليك منهم إلى المغول؛ ذلك أن المغول كانوا قد استولوا على مدينة صيدا الصليبية قبل موقعة عين جالوت ببضع وعشرين يومًا في (2رمضان سنة 658هـ)، فكان هذا من التوفيقات القدرية .

في مقالنا القادم سنقفُ مع مجريات المعركة وأرضها واستعدادات الفريقين فيها، والتنظيم الجيد للجيش المملوكي، والشجاعة التي اتصف بها السلطان قطز، والأمير بيبرس، فضلاً عن تشتت الجبهة المغولية ودور المخابرات المملوكية في زعزعة استقرار جبهتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أمراء المئين، جمع لمصطلح أمير مئة مقدم ألف، "وله التّقدمة على ألف فارس ممن دونه من الأمراء، وهذه الطبقة هي أعلى مراتب الأمراء على تقارب درجاتهم، ومنهم يكون أكابر أرباب الوظائف والنوّاب". وكان عددهم في الدولة المملوكية الأولى 24 أميرًا وفي الدولة المملوكية الثانية تراوح عددهم ما بين 18 إلى 20 أميرًا. القلقشندي: صبح الأعشى 4/14.
محمود فهيم: الفن الحربي للجيش المصري في العصر المملوكي البحري ص137.
التصقيع أو التسقيع: ضريبة فُرضت على الأملاك والعقارات والأوقاف، وكثيرًا ما كان الناس يضجّون منها، حتى اضطروا للخروج تعبيرًا عن سخطهم كما حدث سنة 711هـ. النويري: نهاية الأرب 32/181.
ابن أبي الفضائل: النهج السديد والدر الفريد 1/412.
المقريزي: السلوك 1/513.
ابن العديم: بغية الطلب في تاريخ حلب 2/1020.
العيني: عقد الجمان 1/246.
النويري: نهاية الأرب 29/302.
اليونيني: ذيل مرآة الزمان 1/360.
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد