دائمًا وأبدًا يتذكر الناس دولة المماليك في التاريخ بأنهم مجموعة من غير المصريين، هذا صحيح تمامًا فهم يحكمون القطر المصري بالحديد والنار، فهم أشرار وأوغاد يحكمون مصر جبرًا وتجبرًا، الحقيقة أن هذا الحكم الشخصي على صفحات التاريخ يبدو قاصرًا أحيانـًا، وقصير النظر في أغلب الأوقات، فلابد لنا من الغرق في التفاصيل المؤدية إلى هذا الحكم ومقارنتها بما حدث ويحدث في صفحات التاريخ الماضية والحاضرة والآتية، صحيح أن الحكم المبدئي لدولة المماليك التي حكمت مصر فعليًا لمدة تزيد عن الثلاث قرون، وحكمت الفكر والعقل المصري أكثر من ذلك، إلا أن الحكم المبدئي على هذه الدولة يبدو قاصرًا كما قلت.

سنلتقط خيطـًا رفيعـًا وراء هذا الحكم القاصر، وليكن الخيط هو الحكم على الفكر والعقل المصري من خلال سياسة دولة المماليك الداخلية والتي أوجعت المصريين وأنهكتهم وجعلت النكتة وحدها هي من تخفف على الشعب المصري في عز آلامه المتسبب فيها أمراء المماليك في كل الأوقات.

بداية؛ كان المماليك أو الأرقاء البيض كما تسميهم معظم المصادر التي تحدثت عن عنصر المماليك بدايتهم في مصر عندما أدخلهم السلطان الناصر صلاح الدين بن أيوب ليستخدمهم في الجيش الأيوبي الذي كان يواجه الصليبيين في الشام، وقد كان هذا العنصر البشري الآتي من بلاد جرجان وآذريبجان وجورجيا وبلاد روسيا الجنوبية يأتي الفرد منهم صغيرًا ليباع في أسواق الشام ومصر وغيرها من البلدان العربية، يرجع بعض من المؤرخين أنهم امتدادًا للعنصر التركي الذي سيطر علي المنطقة العربية منذ القرن العاشر الميلادي أو ما بعده لكن لهذا حديث آخر.

توسعت الدولة الأيوبية في استخدام هذا العنصر في الجيش حتي إن خلفاء صلاح الدين الأيوبي اعتمدوا عليهم اعتمادًا كليًا في جعل قوام الجيش الذي يدافع عن الدولة منهم وتولى الضباط الصغار من المماليك القيادات العليا في الجيش وأصبح لهم وزن ومثقال في أمور الجيش، الحيش فقط حتى حين آخر.

تعرضت مصر في تلك الأثناء إلى اضطرابات سياسية كبيرة مع تمدد الهجوم المغولي الذي هدد المنطقة العربية؛ فالمغول اكتسحوا إيران والعراق ودمروا عاصمة الخلافة العباسية في 656هــ/1258م وقتلوا ما يزيد على 2 مليون مسلم كما قالت المصادر في خلال 40 يومًا ثم دخلت الشام فدمرت حلب ودمشق وكان بطبيعة الحال مصر هي المحطة التالية، في تلك الأثناء كانت مصر تتعرض إلى اضطرابات سياسية فالدولة الأيوبية انهارت من داخلها قبل هجمات المغول، وتقريبًا كان الجيش هو القوة الوحيدة التي سيطرت على البلاد سياسيًا، حيث نضجت القيادات المملوكية وأصبح لهم نفوذ كبير في الأوساط الداخلية، لدرجة عندما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب فجأة في أثناء معركة المنصورة التي دارت بين المصريين والصليبيين تولت زوج السلطان شجر الدر وهي من المماليك أيضًا عرش البلاد.

وكانت هذه خطوة جبارة لتولي المماليك للحكم؛ حيث بعد انتهاء الخطر الصليبي تحتم على شجر الدر الزواج تحت ضغط الفقهاء والخلافة العباسية قبل انهيارها على يد المغول، وبالفعل تزوجت عز الدين أيبك المعروف بالقسوة والذي واجه تحديات داخلية قام بالقضاء عليها باستخدام القمع والقتل وطغى على سلطة شجر الدر التي دبرت مقتله عندما أراد الزواج عليها، ثم قتلت هي بعد قليل على يد زوجته الأولى، ومن هنا جاء الفراغ على السلطة التي انتهت في يد نائب السلطنة الأمير سيف الدين قطز الذي قاد البلاد إلى معركة من أهم معارك التاريخ وهي عين جالوت التي كسر فيها كبرياء المغول في المنطقة.

على أية حال لسنا بصدد سرد مطول لتاريخ المماليك في مصر إلا أننا يهمنا بداياته للتعريف بهم، كما يهمنا أن نعرف أن دولة المماليك كانت قوية بالفعل، لكن المصريين عانوا منها ومن فسادها، ليس صحيحًا في كل تاريخ المماليك الطويل الممتد لسبع قرون، ثلاثة ونصف منها في الحكم والباقي تحت سلطة العثمانيين حتى قضى عليهم محمد علي في مذبحته الشهيرة، أن المصريين نظروا إلى هؤلاء الأمراء أنهم غرباء فقد جاءت تسمية الأمراء في كتابات الجبرتي بالأمراء المصرية، أو المصريين بسبب طول معاشرة هؤلاء الأمراء للمصريين حتى أصبح في الوجدان المصري أن المماليك مصريون لكنهم من طبقة أولاد الناس، وهذا المصطلح كان في كتابات معاصرة للماليك كالمقريزي وابن تغري بردي وغيرهم، حتى إننا نجد أن بعض العائلات المصرية الأن ترجع أصولها إلى هؤلاء المماليك.

طبقة أولاد الناس أو البرجوازية المملوكية التي سيطرت على مقدرات الأمور سواء عندما حكموا إبان الدولة المملوكية حتى الغزو العثماني أو من تبقوا وتحكموا بأمرة السلاطين العثمانيين على مصر لأنهم أدرى بشئونها الداخلية، هذه الطبقة تميزت بالفساد المستشري إداريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وبالتالي سياسيًا، فيرجع إلى المماليك أنهم من قننوا الرشوة وجعلوها قانونـًا وعرفـًا اجتماعيًا، حيث وصلوا إلى المناصب العليا والوسطى وحتى الدنيا منها بالرشوة وأصبح لفظ البرطلة وهو يعني الرشوة وبذل المال من أجل هدف ما لفظـًا دارجًا في لغة المصريين اليومية، وقد استخدم كل الموظفين من الوزراء للقادة العسكريين، والقضاة أو الولايات الداخلية أو الوظائف المالية والجباية والجمارك، بل الوظائف الدينية مثل النظر في شئون مكة والمدينة والقدس الخاضعين لحكم المماليك الرشوة من أجل الحفاظ على مناصبهم أو الوصول إلى مناصب أعلى، ولم يتورع السلاطين المماليك أو نوابهم من أخذ الهدايا والرشاوى من أجل ذلك.

ففي المصادر المملوكية مثل كتاب المقريزي وابن تغري بردي كثير من هذه الأمثلة، ولم يسلم عصر من عصور السلاطين المماليك المتعاقبة من هذه الظاهرة مما أصّل الفساد داخل الدولة حتى نجد أن السلطان طومان باي آخر السلاطين المماليك قبل غزو العثمانيين يبطل الرشوة ولكن كان هذا عبثًا لأنه كان قانونًا من ناحية، والناحية الأخرى أن طومان باي تم القضاء عليه بعد الغزو مشنوقـًا على باب زويلة عام 1517م .

بل إننا نجد في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي المؤرخ المصري أيام المماليك أخبارًا عن زيادة الوظائف عن الحد وتضخم الجهاز الإداري لدولة المماليك حيث كانت الوظيفة الواحدة تقسم على أكثر من موظف، فمثلاً وظيفة الكتابة تضخمت مع الزمن بسبب انغماس السلاطين في الرشوة وأخذ المال علي المناصب، حيث كان يتولى منصب الكتابة ثلاثة موظفين في أيام السلطان الظاهر بيبرس، لتتضخم الوظيفة أكثر في عهد السلطان الأشرف شعبان إلى عشرة موظفين، ليرتفع العدد إلى عشرين أيام السلطان برقوق وابنه فرج، حتى إنهم قسموا هذه الوظيفة إلى فترتين؛ الأولى يتولاها عشرة من السبت إلى الثلاثاء، وبقية الأسبوع على باقي الموظفين وذلك لكثرة عددهم عن الحاجة.

وصل الفساد إلى أن أحد الوزراء ويدعى كريم الدين بن عبد الرازق عندما تولى الوزارة دفع كل أمواله في الرشوة المقدمة للسلطان من أجل هذا المنصب فسأله أبوه تاج الدين بن عبد الرازق وكان وزيرًا سابقـًا، من أين لك بالعيش بعد بذل جميع أموال، قال واثقـًا: من أضلاع المسلمين.

بل وصل الحد إلى اختراع وظائف جديدة لم تكن موجودة بل مضحكة أيضًا بسبب الفساد، ولا أجد مثالاً مضحكـًا مبكيًا على هذا الفساد إلا مثال طريف ذكره كتاب البذل والبرطلة في عصر سلاطين المماليك (دراسة عن الرشوة) للدكتور أحمد عبد الرازق؛ حيث نقل عن المقريزي في كتابه السلوك وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، حيث أوردوا في أحداث سنة 830هــ / 1427م أن أحد الأمراء الشركسية انكشف رأسه في ديوان السلطان فسخر باقي الأمراء منه لأنه أقرع الرأس، فاغتنم الفرصة وطلب من السلطان أن يوليه منصبًا جديدًا ويكون كبير القرعان في القاهرة، وبالفعل تولى هذا المنصب، وبالطبع استغل منصبه بفرض ضريبة على كل أقرع في القاهرة، حتى إنه لم يترك الصلعان وفرض عليهم الضريبة، وفرض على المسلمين وغير المسلمين ضريبة لمجرد أن الرجل منهم أقرع أو أصلع، وكان يفرض على كل رجل عشرة دنانير، حتى تضخمت ثروته في وقت قليل، وعندها أحس السلطان ببشاعة الموقف وأبطل هذه الضريبة ونودي في القاهرة: “معاشر القرعان لكم الأمان”

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
- القلقشندي: صبح الأعشى في كتابة الإنشا.
- المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك.
- الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار.
- د أحمد عبد الرازق: البذل والبرطلة في عصر سلاطين المماليك (دراسة عن الرشوة)
عرض التعليقات
تحميل المزيد