الزمن والزمان على حد قول الباحث الجزائري عبد الفتاح سعيدي «اسم لقليل الوقت وكثيره»، ثم يضيف الباحث نفسه أن «الحديث عن الزمن يرد على ألسنة العرب بالكثير من الحدود مثلًا؛ حقبة، ردح، عصر، عهد، فترة، لحظة، مدة، وقت، برهة، هنيهة…
هذا الذي استعصى على الأسلاف فك شفرته، فتجد آثاره قد رسمت على وجوههم كمجرى مياه نحت طريقه في الأديم دون أن يكترث بما قد يعترض سبيله من فتات القش، أومن صلب الصخور.
فصراع الإنسان مع الزمن أبدي لا نهاية له. فكثيرًا ما يتساءل الإنسان كلما اقتضى الأمر، هل حقًّا لا طاقة للإنسان بقهر الأزمنة أو الوجود خارج الأطر؟
يبدو أن للزمن قوة خارقة لا قدرة لابن آدم أن يقف أمامها، بل سيحترق بنار الهزيمة إن هو أعلن تمرده وسار عكس عقارب الساعة.
كيف نجعل من الزمن أداة نطوعها ونتحكم في سيرها؟ وهل حقًّا هناك من تخطى نطاق الأزمنة؟

كثيرة هي الأسماء والشخصيات التي خبرناها في مناهجنا على اختلاف توجهاتها وتأثيرها في سيرورة الزمن منذ نشأة الكون إلى زماننا هذا. شخصيات تاريخية، وأنبياء، وكهنة، وراهبون، وعلماء، وملوك، وكتاب، وفنانون،  جميعم عرفناهم وتواصلنا معهم دون الالتقاء بهم.
ربما وحدهم أولئك الذين احتكروا رفوف المكتبات وانتصبوا شاهدين على زمن انقضى، أولئك فقط باستطاعتهم هزم الدهر والعيش خارج حدود الزمان، وحدهم من كشف الشفرة وأعطى للوجود معنى متجددًا.

ليكن «هوميروس» أو «عليسة» أو «درويش» أو «هرقل» أو «ماركس» أو «الشابي» أو «القمودي» أو حتى «هتلر»، لست هنا لتتموقع أو تصطف مع زيد أو عمر، بل كان ذكرهم اعتباطًا ولك ان تزيد ما شئت وما لم تشأ منهم.
فجميعهم يبدو أنهم أدركوا حدود الزمن ولم يلتزموه. جميعهم يعيشون خارج الأطر، فهل لك أن تسير على نهجهم وتنتصر مثلما انتصروا؟ إن هم كانوا كذلك؟ وأي طريق هي المؤدية؟

ما إن أردت أن تتموضع في أي من الأطر إلا وتدرك أنك من السواد الأعظم من الناس، أولئك الذين إذا عاشوا فمجرد رقم في سجلات، وإن هم ماتوا تحولوا إلى مجرد سماد يكاد ينفع الأرض.
من كانت حياته سنوات تتواتر، وما إن تنتهي سنة إلا وتكون اللاحقة تكملة للسلسلة، فهو أداة للزمن مثله مثل أولئك الذين يحضرون في البرامج التلفزيونية، لا يشاركون في نقاش ولا طائل من وجودهم سوى الديكور.

إن الحياة في الحقيقة هي صراع تموضع وليست بصراع بقاء، لأن البقاء نسبي بل الناظر في أبعاده يستخلص أنه لا يوجد بقاء مادي لا نهاية له، هو دائمًا مع إيقاف التنفيذ، فالقوي مثل الضعيف آيل إلى الزوال لا محالة. ورب ضعيف تخطى حاجز الزمن وعاش بعد فنائه كأن لم يمت قط.
وهنا تصبح المقولة الأزلية «البقاء للأقوى» مقولة يعصف بها الزمن لتشحن من جديد بمعنى، البقاء لمن كسر براثن الأفق وتجاوزها.
إن تحول الإنسان من الحالة المادية والفيزيائية إلى الحالة الميتافيزيقية لهو انعكاس للوجود خارج الوجود، ورسم معالم سرمدية لا ينتفي وجودها بعدم إدراكنا المادي لها. وهنا ربما نكون أكثر استعدادًا أن يتطور في ألبابنا مفهوم مختلف أو مستجد لمصطلح الإدراك والتمثل الذهني للأشياء بأن نبحث في زوايا العقل وغرفه المظلمة والخانات السوداء فيه على رأي الفيلسوف «ميشيل فوكو». تلك الافكار التي كانت من قبل تسليمًا.

كثيرون هم أولئك الذين صوبوا اهتمامهم بفلسفة الوجود وعلاقة الإنسان به، وكان نتاجًا لذلك سيلان أبحر من الحبر حملت بين أمواج كلماتها معاني متجددة، ومفاهيم وقراءات غير متناهية لقضية الزمن وصراع الإنسان الأزلي معه. وبالعودة إلى مخزوننا العربي نجد الكاتب المسرحي والأديب توفيق الحكيم قد استلهم من قصة أهل الكهف مسرحية قوامها صراع الإنسان مع الزمن، وليس المجال هنا كي نسرد أطوارها بقدر ما نحن في حاجة إلى تمثل أبعاد القضية الفكرية والفلسفية. لقد قدم الحكيم شخصياته الذين وُجدوا في زمنين مختلفين بل متباعدين تقديمًا محيرًا يثير الدهشة والتساؤل. كيف للإنسان أن يعيش خارج الزمن؟ هل الوجود مرتبط قسرًا بالوجود المادي؟ أم أن باختلاف الأزمنة والأطر يتغير مفهوم الوجود؟

سيبقى في اعتقادي الجدال الأبدي الذي يتناول بالبحث أغوار علاقة الإنسان بالزمن بحرًا لا تنضب مياهه، وسيلًا من الحبر لا تكفي المحامل مجتمعة أن تحتويه. ليبقى للإنسان في كل وقت وكل مكان المجال مفتوحًا للخوض في المفاهيم والأبعاد، وطرح نظرته الذاتية من جانب إدراكه الذاتي. فالقراءة هاهنا شخصية وفي اختلافها إثراء وفتح جديد أو مستجد لثنايا البحث وإنتاج المعنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد