إذا ما جاءت سيرة الرجل والمرأة والمساواة بينهما يُسارع المنتقد والمؤيّد إلى ذكر الآيتين الكريمتين: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) و(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) البقرة: 282

وأنني أريد أن أُسهب في الحديث حول هذه النقطة؛ كونها أصبحت مجالًا للمزج بين أهواء الشرقيين والمستغربين، كلٌّ يشدّ المسألة إلى طرفه، متناسين أن المسألة مسألة شرع ودين وآيات محكمات بينات، ولذلك يجب أن نركّز على جوانب مهمة عند التطرق إلى مسألة المرأة والرجل:

1. آية المواريث هي مجتزأة، والكلام عن (للذكر مثل حظ الأنثيين) هذه حصة الولد والبنت مما تركه الأب من مال وعقار وما يصلح توريثه، وليست حكمًا عامًا بأن الذكر خير من الأنثيين ولا علاقة لها بالقوامة مباشرةً، فالبنت قد تكون متزوجة وعندها من يعيلها وأختها الثانية قد تكون أرملة ولها 10 أولاد والثالثة مطلقة مكسورة الخاطر في بيت أهلها … ومع ذلك تأخذ كل بنت نفس الحصة التي تأخذها أختها.

وحتى الأولاد تتفاوت أحوالهم، فقد يكون أحدهم بارًا بوالديه ويقوم على رعايتهما، والآخر لا يراهما إلا سويعات في العيد في زيارة خاطفة، ولهما نفس الحصة من الميراث.

إذًا المسألة مسألة فرائض وليست مسألة قوامة ذكر على أنثى، أو أن الذكر بحاجة لمال أبيه أكثر من الأنثى لأنه المعيل والمنفق.

2. آية المواريث تتحدث عن حالات عديدة وفيها نسب مختلفة، قد تأخذ البنت حصة من الميراث أكثر من عمها وهي أنثى وهو ذكر، وقد تأخذ أكثر من جدها وربما تكون تعيش عنده وهو من ينفق عليها، والأم والأب لهما نفس الحصة من ميراث ابنهما (متساويان)، مع أن الأب قد يكون أحوج من الأم لأنه قائم على نفقتها مباشرة.
إذًا لنقرأ الآية التي يجتزئ منها البعض موضوع ميراث الذكر والأنثى الأخوين وينسى بقية الأحكام؛ قال الله تعالى:

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. *النساء: 11

3. مسألة شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وعلة الأمر واضحة فهي شهادة في الديون المالية والحسابات، والتي أمر الله أن تكتب كي لا يرتاب المتداينون، ولذلك فالنسيان وارد من قبل المتداينين فما بالك بالشهود؟!

والنساء تذكر إحداهن الأخرى إن نسيت، والرجال الشهود يقوي أحدهما شهادة الآخر وليس الأمر فيه انتقاص، إنما مسألة اختصاص.

وليس الأمر بأن الرجل خير من المرأة، ولو كان الأمر كذلك فلم تعدل شهادة الزوج شهادة زوجته إذا اتهما في شرفها، بل شهادتها تغلب شهادته.

ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. *النور: 8

بل لو شهد ثلاثة رجال على امرأة بالزنى وشهدت امرأة واحدة أنهم كاذبون؛ أي الشهادات تغلب؟!

4. إن الشرع قدّم الرجل في مسائل الدنيا والمعاملات الدنيوية والعقلية والحسابية؛ بينما قدم المرأة في مسائل العاطفة ومسائل الثواب في الآخرة.

فبر الوالدين أربعة أرباع، ثلاثة منه للأم ثم واحدة للأب (أمك ثم أمك ثم أمك … ثم أبوك) وتربية البنات أكثر أجرًا من تربية الأبناء؛ وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، وضم أصابعه). مسلم. ولم نسمع عن حديث في فضل من عال ولدين من أولاده حتى يبلغا.

5. وأعظم حديث أراه في هذا الباب:

رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ. *النسائي

فنلاحظ أن الزوج والزوجة شركاء في الصلاح والخير وفعل ما يوجب رحمه الله، يغفل أحدهما فيذكره الآخر فينالا رحمة الله.

مطلب المساواة بين الرجل والمرأة مطلب مجحف بحق الاثنين، إنما الأولى الرجوع إلى شرع الله لتقديم الرجل فيما ينبغي تقديمه، وتقديم المرأة فيما ينبغي تقديمها، والمساواة والشراكة فيما ينبغي لكليهما، ودعك من تشدد الشرقيين وميوعة الغربيين، فبين أيدينا كتاب خالقنا وسنة نبينا تغنينا عن أهواء غلاة التطرف والتمييع، ولنا وسطية بين الأمم تغنينا عن استراق الأحكام واستنساخ تجارب الغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد