توقفت كثيرًا أمام هذه الآية الكريمة: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى… مأخوذًا ومسحورًا مما حوته من معاني، بضعة كلمات تصوّر لنا ما تعجز عنه رواية كاملة للحدث والموقف، وكثيرًا ما خطر على بالي ذلك الرجل، وتخيلت سعيه الأقرب للهرولة والجري، فرأيتني أشارك الحدث من مكان عال، أرقب قدومه من مكانه البعيد كي يقول كلمة رآها حقًا وواجبة في وقت خذلان وتقاعس، وأجدني أشفق عليه مما سيلاقيه من مصاعب ومتاعب قد تصل لحد الإيذاء وإيقاع الضرر به أو قتله في النهاية.

كم احترمت صنيع هذا الرجل، وأكبرت شجاعته واندفاعه غير هيّاب لقول ما يؤمن به، بالرغم من إدراكه ووعيه لمغبة فعلته هذه، وتكاثر القوم عليه، على أن الاحترام والتقدير يزيدان عندما نقف أمام لحظة البدء بالفعل والمواجهة، تلك اللحظة الحاسمة التي قرر بعدها أو قبلها الرجل أن ينطلق هرولة أو جريًا للقوم بالطرف الآخر من المدينة بغض النظر عن اتساعها أو ضيق المكان، لكن يعنينا توقيت القرار والصراع الداخلي الذي اعتمل بنفسه، وتصاعد وصولًا للفعل.

وأجزم أن مثل هذا الرجل يظهر دائمًا في لحظة فارقة وحرجة، والرجل على ضعفه وفقره أجده ينطق حقًا ويواجه طغيانًا يراه وغيره، وبينما يغض الجميع الطرف عنه أو يتصالحون معه، أجده هو يندفع في اتجاه آخر، معبرًا عن رأيه وهو يعي تبعة ونتيجة قوله، لكنها الجرأة في الحق، ورجولة الموقف في وقت يتخاذل فيه الجمع، ويتخذون من النعام والنعاج قدوة لهم.

لقد أهملت الآية الكريمة اسم الرجل وأبقت على الصفة، وبقي الوصف له رجل، وكأنما الرجولة هنا تُحسب لأصحاب المواقف في الملّمات وعلمًا على من يقدر على المواجهة فقط، ولتصبح الرجولة عنوانًا لمن يقدر ويستطيع ويفعل، دون أن يكتفي بالقول، ونجزم أن معنى الرجولة هنا لا علاقة له بالنوع أو بصفة الذكورة، لذا كان طبيعيًا ألا نعرف في الآية من يكون هذا الرجل؟ لكن اكتفينا بكونه رجلًا، ثم إنه جاء يسعى، أي جاء مهرولًا من أحد الأطراف البعيدة للمدينة.

جاء من أقصى المدينة، المؤكد أن المسافة كانت طويلة، قطعها ماشيًا أو مهرولًا، والمؤكد أيضًا أن مشقة السعي وطول الطريق يشيان بفقره وعوزه، جاء مهرولًا كأنما خشي ألاّ يصل إلى الجمع، وهرولته وسعيه إليهم ربما لفت نظرهم على كبر سنه فأفسحوا له الطريق حتى تصدر المشهد، ثم نطق بما أراح صدره وعقله، وأبرأ ذمته من الجميع.

فهل ضاع جهد الرجل هباءً؟ وهل أحدث فارقًا أو اختلافًا؟! بالرغم من ضآلة حجمه في عيون الجمع، وربما لم يكن يلحظه أحد أو يأبه بحاله، لكن نظن أنه ألقى حجرًا ثقيلًا بما آسن، فأحدث بكلماته دوامات اتسعت ببطء لتصبح موجهة عملاقة أطاحت بثوابت مستقرة، كما شكّلت كلماته مصدر قوة وطاقة لآخرين لا يعرفهم ولا يعرفونه، وكأنما بعث الله الأمل على يديه. وألهمهم بكلماته وصراحته التي أنطقها على لسانه.

لنصل في النهاية لنتيجة منطقية وحتمية تاريخية لا مفر منها، أن التغيير يبدأ بشرارة تنطلق من فم أحدهم أو بفعل عن قناعة أو ردة فعل رفضا لموقف أو ثابت مستقر بالمجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد