في عالم لم يعد يكترث للإنسان،رغم تغنيه بكل ألوان الإنسانية وشعاراتها، وفي زمن تزحزح فيه مفهوم الدولة المدنية من دولة الخدمات والحريات والحقوق ، إلى دولة القمع والسطوة والسيطرة والرقابة، فضلًا عن تعمق الهوة فيه بين مفهومين كبيرين (مصلحة الدولة) و(حق الإنسان)، وفي ظل واقع ساد فيه منطق القوة، وتبلور مفهومها الجديد بعيدًا عن اعتبارات الإنسان، فتحالفات القوى الكبرى في العالم وتدخلاتها لم تعد تحوي أدنى حِسٍّ إنساني يبقي على مجموع القيم الإنسانية الحافظة للتعايش كشرط أساسي لقيام الحضارة تحت أي شكل أو لون.
في عالم مضطرب كهذا، جدير بنا كأمة لها من التاريخ أحفله، ومن الموروث أصلبه، موروث الدولة المدنية التي قامت قبل 14 قرن، دولة مدنية ذات بعد حضاري مؤسسة على القيم الحافظة للتعايش، أقامها صلى الله عليه وسلم وفق منظور حضاري رسمت معالمه الرسالة التي جاء بها كرسول، وبينت حدوده وفلسفته وتصوراته ، لاسيما ومن أجلها وأنبلها وأسماها ما جاء في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70) الإسراء. حيث استطاع صلى الله عليه وسلم أن يجسد كل هاته القيم والمفاهيم، واستطاع أن ينقلها من السطور إلى الثغور، ومن الفكر إلى الممارسة، فكان ممارسًا متقنًا للتعامل وفق هاته القيم، محيطًا بحدود منظومة إنسانية لازمة لإقامة الدولة وتشكيل المجتمع واستنهاض الحضارة.
جدير بنا دومًا أن نُسوِّق لهذا الرجل النموذج، جدير بنا أن نطلع العالم على محمد الإنسان، وعلى الإنسان في دولة محمد صلى الله عليه وسلم. إن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كما في اعتقاد كل مسلم، قد أخذ منذ أوله بعدًا إنسانيًا وعالميًا بنص قوله عزو وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. الأنبياء. وهو ما يتأكد عند تتبع مسار التغيير ومنحاه منذ أول لحظة انطلقت فيها الرسالة، ويتضح أكثر عند دراسة معالم المجتمع والدولة التي قامت في المدينة المنورة، وبقياس منسوب الأخلاق الإنسانية في مجتمع ما قبل الرسالة وبعدها في مجتمع الرسالة.
لقد تضمنت رسالة هذا النبي منذ مجيئها (منظومة قيمية إنسانية صلبة)، كان هو صلى الله عليه وسلم أعظم من طبقها ووعاها، فحكمت مجموع سياساته ومواقفه وتحالفاته واختصرت له الطريق صلى الله عليه وسلم نحو بناء الدولة، فكانت فترة عقدين من الزمن أقصر فترة في التاريخ بنيت فيها دولة بهذا الحجم، وهو ماينسف في عالم اليوم كل مساع للتغييرأو لبناء الدول دون بناء القيم والتأسيس لها. ونستعرض هنا أبرز المواقف التي طفت فيها القيم العليا والأخلاق الإنسانية السامية رغم ضغط الظروف والمصالح وتقلبات الواقع.

على مستوى الدولة

1 صلح الحديبية: ففيه جنح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهدنة متجنبا الصدامات رغم إكراهات الواقع مقرًا لمبدأ السلام والأمن واللاحرب، وكانت الهدنة 10 سنوات كاملة انتشر الإسلام خلالها أضعاف ما انتشر قبلها فخاطبه ربه سبحانه: إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح. وتسميته بالنصر تتضمن معنى التثمين والتأييد الإلهي للموقف والسياسة.
2 فتح مكة: برز في هذا الموقف أيضًا قمة اعتبار رسول الله صلى الله عليه وسلم للإنسان، وتأسيسه لقيمة السلام كقيمة ذات بعد إنساني فجنح للسلم رغم توفر شرط القوة وقد دخل مكة فاتحًا، فصدرت العبارة المسؤولة التي خلدها التاريخ (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
وفي الموقفين تبرز قيمة السلام في دولة محمد صلى عليه وسلم، ويبدو مفهوم مصلحة الدولة مقاسًا أيضا على مصلحة الإنسان.

على مستوى الفرد

1 جاء في البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ, فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ, فَقَامَا, فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ – أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ – فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ، فَقَامَ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا.
2 عن بريدة رضي الله عنه قال:
(كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهبوا بنا نعود جارنا اليهودي. قال: فأتيناه، فقال: كيف أنت يا فلان؟ فسأله، ثم قال: يا فلان، اشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فنظر الرجل إلى أبيه، فلم يكلمه، ثم سكت، ثم قال وهو عند رأسه، فلم يكلمه، فسكت، فقال: يا فلان، اشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فقال له أبوه: اشهد له يا بني. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: الحمد لله الذي أعتق رقبة من النار).
رواه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) (رقم/553).
وهنا برزت قيمة التعايش في مجتمع المدينة كقيمة لا تنفك عن منظومة القيم الإنسانية، وبرز واضحًا ارتقاء الحسِّ الإنساني وارتفاع منسوب القيم.
كما أننا إذ نتبع مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم التي غلّب فيها القيم الإنسانية، لا يمكن تناسي الحزم القانونية والتشريعية الصلبة الداعمة لهاته الأخلاق والمبادئ والتي كانت جزءًا لا ينفك عن دستور دولة المدينة المنورة، وقد وردت في شكل آيات وتصريحات قرانية واضحة ومن أبرزها قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) الإسراء. وفيها الرفع من قيمة الإنسان والدعوة إلى رفع سقف الاعتبار لقيمته في الأرض في كل التعاملات، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وهنا تأكيد للبعد العالمي والإنساني لرسالة الإسلام ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن كون مصطلح رحمة يعني كثيرًا من القيم الإنسانية التي تُجسِّد معناه، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. وهنا إقرار لمبدأ التعايش، ورفض القطيعة بين الانسان وهو ما تجسد كاملًا داخل مجتمع المدينة، وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) في هاته الآية تصريح بقيمة السلام وبيان لأهميتها وضرورتها.
لقد كانت هاته المنظومة التشريعية أصلب دعامة للقيم وحقوق الإنسان، وأحفظها لكرامته، حيث عززت إسهامته كإنسان في بناء الدولة وتشييد الحضارة وقوت بشكل واضح مساهمته في صلابة الدولة وأمنها وصمود مقوماتها ككيان، وارتفاع منسوب الأخلاق والقيم داخلها، فاستحقت بذلك أن تكون الدولة النموذج والمجتمع النموذج الذي يلزمنا أن نصدره للعالم وأن نسوق لفلسفته وثقافته وقيمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ 3 أسابيع
تاريخ وفلسفة
لماذا تكرهون جوارديولا؟
تاريخ وفلسفة
منذ 3 أسابيع
المثلجات الذهبية
اقتصاد الناس
منذ 3 أسابيع
سدنة الجماعة
شارك 79
عربي
منذ 3 أسابيع