إن الإسلام يواجه الإنسان بواقع عبوديته الحتمية لله عز وجل، ليفتح أمامه بذلك آفاق التحرر من أواصر العبودية للآخرين. وليصده في الوقت ذاته عن استعباد من قد يكون حوله من المستضعفين.

ما ألزم الله، عز وجل، عباده بمعرفة أنهم عباد مملوكون له، وبالإذعان لهذه الحقيقة، إلا لأن هذا اليقين الذي يتحلى به الإنسان هو الضمانة الوحيدة لامتلاكه حريته الخارجية من جانب، والمحافظة على حريات الآخرين وعدم العدوان عليها من جانب آخر.

إن حلول مشكلات الحياة رهن بمعرفة الإنسان هويته وإدراك أنه عبد مملوك لله، ومن ثم التهيؤ للإصغاء إلى تعاليم الله تعالى ومنهجه الذي رسمه لعباده للتعامل على أساسه مع الكون والإنسان والحياة.

إن الأمانة التي حملها الإنسان تتمثل بكل صفاته وقدراته وطاقاته التي قد يتباهى بها ليست نابعة من كيانه، بل هي فيوضات من صفات الله، جل جلاله، أمده ومتعه بها، فإن عليه أي (الإنسان) أن يكون أمينًا على استعمالها بالوجه المطلوب، وطبقًا للتعاليم التي ترد إليه.

وإنما تأتي هذه التعاليم والتوجيهات من خلال الوحي الرباني، الذي تتابع منذ فجر الإنسانية المتمثل في نشأة أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، إلى بعثة خاتم الرسل والأنبياء سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا.

فهذا هو الجسر الخفي الذي يصل ما بين البيان الإخباري عن قصة الكون والحياة والتعاليم الإرشادية لكيفية التعامل مع الكون والحياة وكيفية استعمال الملكات والطاقات التي ائتمنه الله عليها.

ذاك الخطاب يبدأ عمله بالتوجه إلى فكر الإنسان يخبره بجملة من الحقائق والوقائع لا أكثر، تتعلق بذاته وقصة وجوده والكون المحيط به ووجود خالق واحد له وللعالم كله. فإذا ما تنبه إلى هذه الحقيقة وصدق بها واستولت بسلطانها على مشاعره، كان ذلك إيذانًا له بأن يعيد النظر إلى ما كان قد وعيه وتصوره من أمر نفسه، وبأن يبدأ فيتعرف إلى هويته من جديد وذلك على ضوء الواقع الذي أدركه واستيقنه بعد تأمل وبحث.

يقول لك هذا البيان الرباني: لست المالك الحقيقي لشيء من قدراتك وعلومك، وما ترى أنه من اختصاصك. وإن كل هذه القدرات ليست أكثر من أمانة، استودعتها إلى حين وستسترد منك عما قريب. وستحاسب على أستخدامها إن خيرًا كان أو شر.

وهكذا فإن المهمة الأساسية للإسلام تتلخص في أنه يبصر الإنسان بهويته ويطلعه على حقيقة ذاته، ثم يدعوه إلى أن يكون في سلوكه الشخصي وعلاقته مع الآخرين منسجمًا مع مقتضى هويته هذه.

كان من مستلزمات مهمة الإنسان وسيادته التي وكلت إليه في الأرض، أن يجهزه الله بالإمكانات الخاصة التي تيسر له السبيل للنهوض بهذه المهمة، والتي تمكنه من إدارة شأن هذه الأرض على الوجه المطلوب.

وكان من عظيم حكمة الله ورحمته بعباده أن يقرن هذا التسخير الكوني للإنسان بكراس التعريف بهذا الكون ثم التبصير بكيفية استخدامه والاستفادة منه.

– الكراس هنا تعبير مجازي مقصود به القرآن الكريم.

وإنه لمن الضروري الرجوع إلى صفحة التعريفات والتعليمات والعكوف على فهمها ثم الاهتمام بتطبيقها في نطاق التعامل مع الكون والإنسان والحياة كي يسلم الإنسان من المخاطر والأضرار.

وبخضوع الإنسان لواقع عبوديته لله، يصغي إلى  صفحة التعليمات التي يخاطبه بها الله، عز وجل، ويتلقاها بالثقة والقبول ويتخذ منها النظام الذي يتعامل بوفقه مع هذه الحياة والسياج الذي يحمي حريته الشخصية من الطغاة والمستكبرين والمستغلين.

وبفضل الحرية التي متعه الله بها يمارس بكرامة حياته الفردية والاجتماعية وينهض بوظيفته في استخدام ما قد سخر له من المكونات وتجنيدها للحضارة والعمران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد